في عام 1798 دخلت الجيوش الفرنسية مصر بقيادة نابليون بونابرت وانتهت الحملة بعد سنوات قليلة وعادت القوات إلى بلادها، لكن شيئاً آخر بقي حاضراً حتى اليوم، لم يكن مدفعاً ولا قلعةً عسكريةً ولا موقعاً احتلته الجيوش وإنما كان عملاً ثقافياً وعلمياً ضخماً حمل اسم "وصف مصر".
فقد أنتج العلماء الذين رافقوا الحملة واحدة من أهم الموسوعات التي عرّفت العالم بتاريخ مصر وآثارها وجغرافيتها ومجتمعها وتحول ذلك العمل إلى مرجع علمي ظل تأثيره ممتداً لأكثر من قرنين.
رحلت القوة العسكرية وبقي الأثر الثقافي
كثيرٌ من الدول رسخت حضورها في ذاكرة الشعوب بما قدمته من معرفة وفنون وأفكار أكثر مما رسخته عبر القوة الصلبة، قد تتغير الحدود السياسية وتتبدل التحالفات وتتعاقب الحكومات فيما تستمر رواية أو قصيدة أو فيلم أو موقع أثري في تشكيل صورة بلد كامل داخل عقول الناس لعقود طويلة.
وإذا كان إنتاج هذا التأثير الثقافي في القرون الماضية يحتاج إلى حملات وسفر طويل ومطابع ومؤسسات علمية ضخمة، فإنّ العالم اليوم يعيش مرحلة مختلفة تماماً، إذ أتاحت التكنولوجيا الحديثة ومنصات التواصل والإنتاج الرقمي للثقافة أن تعبر القارات خلال لحظات، وأن تصل إلى ملايين البشر دون أن تغادر حدود الدولة التي أنتجتها.
الثقافة اليوم تحتاج الى رؤية واضحة وإدارة ذكية واستثمار مدروس
ومن هنا تبرز مفارقة عراقية تستحق التأمل، نحن أصحابُ أرضٍ منحت الإنسانية أولى المدن الكبرى وأولى الكتابات المنظمة وأقدم القوانين المدونة، أرض كانت يوماً عاصمة للمعرفة والعلم لقرون طويلة، ما زلنا نتعامل مع الثقافة باعتبارها قطاعاً ثانوياً مقارنة بالملفات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وفي الوقت الذي تحولت فيه الثقافة في كثير من دول العالم إلى أداة نفوذ وعلاقات دولية وتنمية اقتصادية، ما زالت هذه القوة العراقية الكبيرة تعمل بأقل من طاقتها الممكنة.
لقد اعتاد الكثيرون النظر إلى وزارة الثقافة باعتبارها وزارةً للمهرجانات والمعارض والاحتفالات والنشاطات الموسمية ومع أهمية هذه الأنشطة، فإنها تمثل جزءاً محدوداً من الوظيفة الحقيقية التي يمكن أن تؤديها الثقافة في الدولة الحديثة.
فالثقافة اليوم أصبحت حجر الأساس المُمهد للسياسة الخارجية وأحد مكونات الأمن الوطني وأحد المحركات الاقتصادية وأحد الوسائل المؤثرة في بناء صورة الدولة ومكانتها الدولية.
وعلى ذلك لا ينظر لها كوزارة استهلاكية فالفيلم قد يفتح أبواب السياحة، والرواية قد تثير اهتمام الباحثين، والمهرجان قد يصبح مدخلاً لعلاقات اقتصادية والمركز الثقافي قد يخلق جسوراً من الثقة تسبق العلاقات السياسية والتجارية بسنوات، وجُلّ ذلك استثمار غير منظور لنا في أقل تقدير .
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح في العراق كيف يمكن أن نُعزز الثقافة لنحولها من الهامش أو المحدودية في القدرة إلى مشروع دولة؟ لا شك أنّ العراق يمتلك كلَّ المقومات اللازمة لذلك، فهو يمتلك إرثاً إنسانياً عالمياً من حضارات شكلت تاريخ الإنسانية، وفي مدنه ومواقعه الدينية والتراثية والثقافية عناصر جذب لا تتوافر مجتمعة في كثير من دول العالم، كما يمتلك تنوعاً ثقافياً واجتماعياً ودينياً يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة وإثراء إذا أُحسن استثماره ضمن إطار الهوية الوطنية الجامعة يُضاف إلى ذلك الموقع الجغرافي الذي يربط بين المشرق والخليج وتركيا وإيران، وهو موقع يمنحه فرصة ليكون مركزاً للحوار الثقافي الإقليمي والدولي.
ومع ذلك فإنّ هذا الرصيد الكبير ما زال بحاجة إلى "إرادة " ورؤية مختلفة في إدارته، فتطوير وزارة الثقافة ينبغي أن يبدأ بإعادة تعريف دورها كمؤسسة لإدارة القوة الناعمة العراقية وشريك أساسي في رسم صورة العراق أمام العالم و منصة لدعم السياسة الخارجية عبر الدبلوماسية الثقافية.
فكلُّ سفارةٍ عراقية يمكن أن تكون نافذةً ثقافيةً وكلُّ مؤتمرٍ دولي يمكن أن يكون فرصةً للتعريف الحقيقي بالعراق وفق رؤية وإستراتيجية، وكلُّ معرضٍ أو مهرجان يمكن أن يتحول إلى مساحة لبناء علاقات وشراكات مستقبلية.
كما أن الاستثمار في الترجمة والنشر والإنتاج السينمائي والدرامي والمحتوى الرقمي يمكن أن يوسع الحضور العراقي خارج حدوده الجغرافية بطريقة لا تستطيع الأدوات التقليدية تحقيقها.
ولعلَّ من المهم هنا إدراك أن الثقافة لا تعمل بمعزل عن الاقتصاد، فالدول التي نجحت في بناء حضورها الثقافي العالمي حققت في الوقت نفسه مكاسبَ سياحية واستثمارية وتجارية كبيرة، فالصورة الذهنية الإيجابية تجعل المستثمر أكثر اطمئناناً، والسائح أكثر رغبةً في الزيارة والشريك الدولي أكثر استعداداً للتعاون.
وهذا يعني أن الثقافة يمكن أن تمهد الطريق أمام المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدولة، فهي تخلق التعارف الذي يخلق الثقة وهو المفتاح الأهم لأبواب المصالح المشتركة.
أما على المستوى الداخلي، فإنّ الثقافة تؤدي وظيفة لا تقل أهمية، فهي تسهم في تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وترسيخ قيم المواطنة وتقوية الانتماء للدولة وتوسيع المساحات المشتركة بين أبناء المجتمع وفي بلدٍ متعدد المكونات مثل العراق، تكتسب هذه الوظيفة أهمية إضافية لأنها تساعد على بناء سردية وطنية موحدة تجمع العراقيين حول تاريخهم ومستقبلهم المشترك.
من هنا تبرز حاجتنا الحقيقية إلى مشروع وطني يدير هذه العناصر ويحولها إلى أدوات فاعلة في خدمة الدولة ومصالحها كاستثمار إستراتيجي تتحول به الوزارة من قطاع محدود التأثير إلى أحد أهم الموارد الوطنية القادرة على دعم التنمية وتعزيز العلاقات الخارجية وترسيخ مكانة العراق في محيطه الإقليمي والدولي.
وربما تكمن المفارقة الأجمل في أن العراق يبحث اليوم عن فرص جديدة لبناء مستقبله، بينما تمتد أمامه فرصة كبيرة منذ آلاف السنين، فرصة لم تُكتشف بالكامل بعد، على الرغم من أنها كانت حاضرة في كلِّ وقت.
منتصر صباح الحسناوي
*كاتب وباحث في الشأن العراقي


.jpg&w=3840&q=75)