رووداو - بروكسل
كان لي في مقر البرلمان الأوروبي حوار مع ثلاث شخصيات مؤثرة في مراكز القرار بالاتحاد الأوروبي، تحدثوا عن الشرق الأوسط بعد مقتل قاسم سليماني. اتفقوا جميعاً على أن مرحلة ما بعد سليماني لن تكون بالضرورة أسهل من سابقتها، بل توقعوا المزيد من التعقيد. كما اتفقوا على أنه لا يجدر بالاتحاد الأوروبي أن يسمح بتحول العراق إلى تابع كامل التبعية لإيران خاصة وأن مسألة خروج أمريكا من العراق لم تعد محل تساؤل، بل السؤال حسب قولهم أصبح: متى ستخرج؟
ولدى إجابتهم على سؤالي: هل ستكون المنطقة أكثر استقراراً بعد مقتل سليماني؟ اتفق كل المشاركين على أن ذلك ليس حتمياً. فرأت رئيسة البعثة الدائمية للاتحاد الأوروبي إلى شبه الجزيرة العربية، هانا نويمان، أن "المنطقة بعد سليماني ليست أكثر أماناً. صحيح أنه لم يكن قط البطل الذي تصوره إيران. كما كان شخصاً أصدر أوامر بقتل العديد من المتظاهرين، لكن تطلب تعيين بديل له من قبل إيران يومين أو ثلاثة... حرس الثورة الإيرانية وتوابعه متواجدون في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق. لم يكن ولاء هؤلاء لقاسم سليماني بل لجمهورية إيران الإسلامية. لذا فإن قتل سليماني لن يحل المشكلة. بل ستبدأ مرحلة جديدة في الصراع".
"أخطبوط" الشرق الأوسط
عن دور سليماني في الشرق الأوسط قالت عضو لجنتي الشؤون الخارجية والأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي، أسيتا كانكو: "كان سليماني كأخطبوط، له العديد من الأرجل، كل رجل في بلد لإثارة العنف والتوتر. لكن السؤال هو: ماذا سيحدث بعده؟ يرى كثيرون أنه كان الأفضل أن لا يقتل"، وبشأن رأيها في قتل سليماني، قالت كانكو: "انتقدنا في البرلمان الأوروبي حادث قتله. صحيح أنه كان إرهابياً، لكن قتله لم يكن بناء على خطة أخلاقية دقيقة بمشاركة أوروبية"، واتفقت نويمان مع كانكو في هذا وقالت: "كان العمل مخالفاً للقوانين الدولية".
إعادة تقييد الأرجل
وتأييداً لكانكو، قال عضو لجنتي الشؤون الخارجية وشؤون حلف شمال الأطلسي في البرلمان الأوروبي، كليمينس غروسيل: "السؤال الآن هو من الذي يستطيع إعادة شد أرجل الأخطبوط إلى بعضها الآن؟ والتاريخ يخبرنا أن القادم أسوأ من سلفه، وهذا ما أخشاه... صحيح أن سليماني كان يستخدم الاختلافات المذهبية لخدمة مصالح إيران، فإني أتفق مع الرأي القائل إن القضاء على شخص لن يقضي على فكرة. كان العقل المدبر للأحداث من المنطلقين العسكري والسياسي. لكننا لا ندري هل أن خليفته يماثله أم لا". مع ذلك، يشعر غروسيل بالتفاؤل ويقول: "كان قتله حدثاً كبيراً لإيران، وأصبحت الآن تفكر في حوار غير مباشر مع أمريكا. لذا ورغم توقع كثيرين ردود فعل عنيفة من جانب إيران، يبدو أن مصالح الجانبين تكمن في الحوار".
هل تحسب أمريكا الحساب لأوروبا؟
تنتقد كانكو السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وتقول إنها لا تستشير حلفاءها الأوروبيين "يقول الأمريكيون في تغريداتهم إن من الضروري أن نعمل جنباً إلى جنب الأوروبيين، لكنهم في الواقع العملي لا يشركوننا وهذا ازدراء كبير. فهل نستحق هذا؟ أعتقد أننا نستحقه. لأننا ضعفاء ولسنا موحدين"، وأوضحت: "نحن الدول الـ27 في الاتحاد الأوروبي، ليست مواقفنا موحدة. ففرنسا تتصرف بصورة منفردة. أوروبا لا تتصرف بطريقة تجعلها محترمة على المستوى الدولي. من الضروري إصلاح هذا. لأنه لو كان لنا دور ونفوذ في الشرق الأوسط، سيكون لنا كأوروبا نفوذ في كل العالم".
أوروبا ما بعد أمريكا
زارت هانا نويمان العراق مؤخراً، وتلتقي قادة المنطقة باستمرار بصفتها رئيسة البعثة الدائمية للاتحاد الأوروبي إلى شبه الجزيرة العربية، وتقول إن على أوروبا أن تستعد لمرحلة ما بعد انسحاب أمريكا من المنطقة "لأن السؤال لم يعد هل ستنسحب أمريكا أم لا؟ بل أصبح: متى ستنسحب؟" وعن الدور الأوروبي الجديد، تقول نويمان: "ما ينبغي أن تمارس فيه أوروبا دوراً في العراق، هو الإصلاح. فكما تعلمون، المظاهرات المطالبة بالإصلاح استمرت حتى بعد مقتل سليماني... العراقيون جميعاً يطالبون بوحدة العراق. السنة والشيعة وحتى بعض الكورد، يقولون: لا نريد التدخلات، لا من جانب إيران ولا من جانب أمريكا".
أن تصبح كوردستان دولة؟
من الأسئلة التي وجهتها إلى ضيوف الحوار، كان هناك سؤال مرتبط باحتمال إعادة رسم خريطة المنطقة، وبالتالي احتمال قيام دولة كوردستان، فقال غروسيل بصراحة: "أنا لا أؤمن بقيام دول جديدة مستقلة. لأن هذه الدول الجديدة لن تتمكن من الحياة والاستمرار. لكن على العراقيين أن يسألوا أنفسهم: هل يريدون التوصل إلى حل توافقي أم يريدون استمرار الأزمة الحالية؟"، وقالت نويمان: "رغم أن العراقيين هم من يتخذ القرار، لكني لا أرى في تقسيم العراق أمراً مساعداً، بل سيعمق من مشاكلهم. الخطأ هو خطأ الأمريكيين الذين بنوا العراق على أساس ثلاثة مكونات مختلفة. لذا فإن الأفضل هو التفكير في الحوار، والعمل على مسائل الخدمات والإصلاح في الجانب الأمني وغيره من جوانب حياة المواطنين".
وأضافت نويمان: "يجب العثور على حل يمكن الجميع من العيش معاَ والشعور بأنهم قادرون على المشاركة في عملية اتخاذ القرار. كما أن هناك إقليم كوردستان، في شمال العراق، الذي هو نموذج للارتقاء بالخدمات". لكن كانكو التي ترأس حزباً فلامياً ساعياً للاستقلال عن بلجيكا، تقول: "يجب أن تهتم شعوب الشرق الأوسط بأمور أكبر من مصالح الأفراد، لكي تشعر بالحاجة إلى التعايش معاً. من المهم أن تراعى حقوق الكورد الذين يعيشون على حدود تركيا. تماماً مثل فلاميي إقليم فلاندر في بلجيكا... لا يجوز الاكتفاء بتغطية سطح الجروح لأنها ستتفاقم من تحت. ثم ستعيد رسم خريطتها الجيوسياسية ولن نستطيع شيئاً حيال ذلك".



