رووداو ديجيتال
في بقعة معزولة من آسيا يُجبرك ارتفاعها الشاهق على شراء الأوكسجين كما لو كان مادة غذائية، فيما يسبب ارتفاعها بغليان المياه عند 85 درجة، وتشرق الشمس فيها 300 يوم في السنة، بينما يتحرك سكانها ببطء شديد بسبب نقص الهواء.
هناك، على سقف العالم، تقع التبت، الإقليم الأعلى في الصين والعالم، بحياة يومية لا تشبه أي مكان آخر.
يأخذ الفيلم الوثائقي الذي أنتجته شبكة رووداو الإعلامية، المشاهد، في رحلة داخل إقليم التبت المعروف بـ"هضبة التبت"، حيث يعيش 3.6 ملايين شخص في مساحة تفوق ضعف مساحة فرنسا، ولا يوجد في كل كيلومتر مربع أكثر من شخصين فقط.
الأوكسجين هناك سلعة نادرة تُباع في المحلات وتُخزن في المنازل والسيارات نتيجة انخفاض نسبته إلى النصف، ما أجبر السكان على التأقلم مع نمط حياة هادئ وبطيء ولون بشرة مختلف ونَفَس محسوب.
ويعيش في العاصمة لاسا 800 ألف شخص فقط، والتي تُعد أعلى عاصمة في العالم بارتفاع يصل إلى نحو 3750 متراً عن سطح البحر، أي أعلى من قمة هلكورد في إقليم كوردستان بأمتار قليلة. وتُعرف المدينة بلقب "مدينة الشمس المشرقة" بسبب سطوع الشمس فيها 300 يوم خلال العام.
يُظهر الفيلم كيف ترتبط الحياة اليومية للتبتيين بالروحانية البوذية التي تملأ الإقليم. فالقصر الشهير "بوتالا"، الذي يضم ألف غرفة، يُعد رمزاً للبوذية التبتية ومقعد الدالاي لاما عبر مئات السنين، فيما تستقبل المعابد مئات الآلاف من المصلين يومياً، يمارسون طقوس الدعاء والطواف مستخدمين المسبحة التبتية، بينما يقضي الرهبان عشرات السنين في الدراسة للحصول على أعلى شهادة دينية.
ورغم أن البوذية هي الديانة الغالبة، إلا أن الإقليم يضم أقليات صغيرة مثل 12 ألف مسلم و700 مسيحي كاثوليكي. الوصول إلى التبت ليس سهلاً، إذ تفرض السلطات الصينية قيوداً شديدة على زيارتها ولا يُسمح بالدخول إليها إلا عبر مجموعات مرخصة.
ويستعرض الفيلم جانباً من حياة السكان الاقتصادية، حيث توفر الحكومة الصينية نحو 90% من نفقات الإقليم بسبب انخفاض الدخل المحلي، فيما تصنف معظم المدن التبتية مدناً "شقيقة" لمدن صينية أخرى لتلقي الدعم.
أما التعليم فهو مجاني لمدة 15 عاماً في التبت وشينجيانغ فقط، وتُدرّس المناهج باللغة الصينية بينما تُخصص التبتية لمادة واحدة.
ورغم الطبيعة الصعبة، تشهد المنطقة جهوداً بيئية كبيرة، أدت إلى زراعة غابات على ارتفاعات تتجاوز 4100 متر بعد أن كانت جبالها جرداء قبل عشر سنوات، بفضل تقنيات حفر الصخور وزراعة الشتلات.
ويظهر الياك كأهم رمز للإقليم، إذ يعتمد عليه السكان في الغذاء والملبس والعلاج، حتى أصبح جزءاً أساسياً من هويتهم.
ويحافظ التبتيون على موسيقاهم ورقصاتهم التقليدية، من بينها رقصة "تشام" التي تُؤدى بأقنعة وملابس ملونة، فيما يمارس السكان عادتهم الفريدة في التحية عبر إخراج اللسان، وهي عادة تعود للقرن التاسع.
وعلى سفوح الهيمالايا، تنمو أزهار نادرة تُستخدم في إنتاج الأدوية والزيوت وتستقطب الزوار من مختلف أنحاء الصين.
بهذه التفاصيل، يقدم الفيلم صورة نادرة لإقليم يعيش على ارتفاع يكاد يلامس السماء، حيث يتداخل الدين مع الطبيعة، والهواء مع الحياة، وتباع أنفاس الناس في أسطوانات.


