رووداو ـ أربيل
بعد أكثر من خمسة أشهر، أصبح لدى العراق في فجر 6 من أيار رئيس وزراء كامل الصلاحيات، إثر حصول مصطفى الكاظمي وجزءاً من كابينته الحكومية على ثقة البرلمان، ويتزامن ذلك مع انخفاض أسعار النفط الذي جعل الحكومة العراقية أمام أزمة خانقة، إلى جانب تحديات استعادة داعش قوته وضرورة أن تحقق الحكومة الجديدة توازناً جديداً في علاقات بغداد مع طهران وواشنطن.
الكاظمي البالغ من العمر 53 عاماً، كان المكلف الثالث بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة خلال 5 أشهر، بعد تقديم رئيس الوزراء العراقي السابق، عادل عبدالمهدي، استقالته أواخر تشرين الثاني 2019، تحت تأثير ضغوط المتظاهرين وتلبيةً لدعوة المرجعية، في حين أن المشاكل التي أجبرت عبد المهدي على التنحي ما زالت قائمة؛ بل تفاقمت وباتت أكثر تعقيداً، بسبب انتشار جائحة كورونا العالمية.
يعدَّ الفساد، معدلات البطالة المرتفعة لدى الشباب، نقص الخدمات والنفوذ الأجنبي المحرك الرئيس لانتفاضة المتظاهرين في 2019، ولا تزال تلك المعضلات الأربع تراوح مكانها دون أي تغيير، أضف إليها تدهور أسعار النفط وتوقف عجلة الاقتصاد والتجارة إثر تفشي فيروس كورونا.
احتساب سعر برميل النفط بـ56 دولاراً للبرميل في موازنة العراق
اعتمدت الموازنة سعر 56 دولاراً للبرميل، وفي حين كان العراق ينتج 4.88 مليون برميل قبل شهر من اندلاع احتجاجات العام الماضي، فإن تفشي فيروس كورونا لم يُخفِّض سعر النفط إلى ما دون الـ30 دولاراً فحسب، بل أدى إلى تقليل الطلب على النفط عالمياً، كما أُرغم العراق على تخفيض إنتاجه اليومي من النفط بمقدار 1.06 مليون برميل في إطار اتفاق أوبك+.
وبحسب بيانات وزارة النفط العراقية، فإن إيرادات نيسان الماضي من بيع 3.43 مليون برميل نفط يومياً بلغت ملیاراً و423 ملیوناً و499 ألف دولار فقط، أي أنها انخفضت بأكثر من 4 مليارات و676 مليون دولاراً مقارنة بشهر كانون الثاني من العام الحالي.
450 ألفاً يدخلون سوق العمل سنوياً
انهيار أسعار النفط وانخفاض مستويات الإنتاج لا يتسببان بتقليل الإيرادات التشغيلية في العراق إلى النصف بأكثر 50%، بل يحرمان الحكومة من السيولة المالية المطلوبة لاستكمال المشاريع الخدمية والبنية التحتية والتي أدى انعدامها في 2018 و2019 إلى خروج المتظاهرين في احتجاجات عارمة في بغداد ومحافظات الجنوب، ناهيك عن تسبب ذلك ببقاء مدن وسط وشمال العراق ترزح عن نير الدمار وشبح الخراب دون أي مبادرة لإعمارها، ما يتيح لتنظيمٍ مثل داعش فرصة جذب المزيد من الناقمين على السلطة في تلك المناطق إليه.
العراق الذي تقل أعمار 60% من سكانه عن 25 عاماً، يدخل 450 ألف شخص سوق العمل سنوياً، كما أن 40% من التعيينات تقتصر على القطاع العام والشركات التابعة للحكومة، وبحسب تقارير البنك الدولي لعام 2019، فإن نسبة البطالة بين الشباب تصل إلى ضعف البطالة في العراق عموماً البالغة 36%، بل أن الحكومة العراقية أقرت بارتفاع نسبة البطالة جراء إجراءات مكافحة فيروس كورونا إلى 34%.
خياران خطيران أحلاهما مُر
سيكون أمام الكاظمي خلال الأيام والأسابيع المقبلة، خياران خطيران، وهما إما تقليل رواتب الموظفين بنسب ملحوظة أو تخفيض عدد موظفي القطاع العام، وما يزيد الطين بِلّة أن القطاع الخاص غير مؤهل لاستيعاب هذه القوة العاملة من الحكومة، كما أن الموقف المالي للحكومة لا يسمح لها برفد القطاع الخاص بالتمويل الكافي لتعزيزه.
الإصلاح الإداري والسياسي لمكافحة الفساد يتطلب دعماً سياسياً كبيراً، لكن مجلس النواب الحالي هو ذاته الذي ساند حكومة عبد المهدي في اكتوبر 2018.
عقدة الكاظمي على غرار سابقيه من رؤساء الوزراء هي عدم امتلاكه لكتلة برلمانية، ما يجعل أي تعديل طفيف في التركيبة السياسية والإدارية في العراق شبه مستحيل.
رؤية المتظاهرين لا الأحزاب المُتَعَنِتة
الكاظمي وبخلاف عبدالمهدي ليس لديه باعٌ طويل في العمل الحكومي، حيث أن الأخير تناوب منذ 2005 على مناصب وزير المالية ونائب رئيس الجمهورية ووزير النفط ورئيس الوزراء العراقي، في حين أن أرفع منصب شغله الكاظمي خلال الأعوام الأربعة الماضية كان رئاسة جهاز الاستخبارات، وقضى سنوات عديدة من حياته بعد 2003 في العمل المدني والمنظمات غير الحكومية والإعلام ومنها كتابة زوايا في موقع المونيتر الأميركي.
صالح العبيدي، المتحدث الموثوق باسم مقتدى الصدر أكد في تصريح لصحيفة (نيويورك تايمز) الأميركية على أن الإيرانيين يرون أن الكاظمي يعد "حلاً للمرحلة الحالية"، مبيناً أن رئيس الوزراء العراقي الجديد "لا يملك تاريخاً، لكنه من الأشخاص الذين يسعون لعدم معاداة أي شخص".
وأشار توماس ووريك، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بمركز رفيق الحريري بالمجلس الاطلنطي الأميركي، إلى أن الكاظمي "يتمتع بعلاقات جيدة للغاية مع المرجعية"، مبيناً أن "الكتابات التي سبقت مباشرة الحكومة مهامها في 2016، تظهر بوضوح أن رؤاه تتسق مع وجهة نظر المتظاهرين لا الأحزاب السياسية المتعنتة"، وأكد على أن هذه هي المرة الأولى التي يشهد فيها العراق "تغيير الجيل" في الساحة السياسية العراقية منذ 2003.
منذ 2005، كانت إحدى المهام الأساسية والصعبة لجميع رؤساء الوزراء في العراق هو تحقيق التوازن في علاقات بغداد مع واشنطن من جهة وطهران من جهة أخرى، وبعد اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، وأبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، ومؤسس كتائب حزب الله العراقي، بات الأمر شائكاً وأكثر صعوبة، خاصة أن المجموعات الشيعية في البرلمان العراقي تطالب الحكومة العراقية منذ مطلع العام الحالي بإخراج قوات التحالف الدولي ضد داعش من العراق.
جانب من الحفاظ على التوازن مرهون بقدرة الكاظمي على المناورة مع القوى الشيعية المقربة من إيران التي تشكل ورقة النفوذ الإيرانية والتي تهيمن على المفاصل السياسية والاقتصادية بالعراق.
الكاظمي 2015: اللامركزية شرطٌ للإصلاح ونهوض العراق
قبل عام من تسلمه رئاسة الاستخبارات العراقية، أبدى الكاظمي في مقال رأي نشر في (المونيتور) تأييده لإخضاع قوات مشروع قانون الحشد الشعبي لسلطة الدولة، وفصلها عن مظلة الأصول السياسية "وعدم السماح بتسييس هذه القوات لصالح جهة معينة"، لكن المساس بالمكانة السياسية والاقتصادية لتلك القوات لن يثير غضب إيران فقط؛ بل يحرم الكاظمي من دعم القوى التي ساندته لتمرير كابينته.
على رئيس الوزراء العراقي الجديد أن يفكر ملياً في مصير قوات التحالف الدولي في العراق، ومن هذا المنطلق ينبغي أن يوازن بين مصالح العراق الأمنية في مقارعة داعش ورغبات البرلمانيين الشيعة، وأحد الخيارات المطروحة بقوة هو تقليص عدد القوات الأميركية.
مايكل نايتس، الباحث والخبير في شؤون العراق بمعهد واشنطن، قال في تصريح لـ(تايمز) الأميركية إن الكاظمي "قادر على أن يتخذ موقفاً صارماً من الأميركيين بشكل يعجز عنه أي مرشح تابع لإيران، وإذا ما طلب الكاظمي من مايك بومبيو أمراً، فإن الولايات المتحدة مستعدة للتعامل مع طلبه"، وقد أعطت واشنطن من الآن إشارات تدل على استعدادها لمساعدة رئيس الوزراء العراقي الجديد، ومنها تمديد إعفاء العراق من العقوبات المفروضة على إيران لشراء الكهرباء والغاز الطبيعي من 30 يوماً إلى 120 يوماً.
يباشر الكاظمي مهامه مع عودة خلافات الموازنة والرواتب بين بغداد وأربيل إلى الواجهة، وخلال الأسبوع الماضي، زار وفد إقليم كوردستان بغداد مرتين للتفاوض حول هذه المسائل، ودعا رئيس الوزراء العراقي الجديد إلى تحويل مخرجات اجتماعات الوفد مع وزيري النفط والتخطيط لتوصية ورفعها إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، للبت فيها بقرار حاسم.
لكن مشاكل الموازنة والرواتب بين إقليم كوردستان والحكومة العراقية تتعلق في جذورها بتوزيع السلطة والموارد وحدود اللامركزية بين الحكومة المركزية وإقليم كوردستان.
رئيس الوزراء الأسبق، حيدر العبادي، أعلن في 10 آب 2015 حزمة إصلاحية إدارية وسياسية، وفي مقال له على موقع (المونيتور)، قال الكاظمي في أيلول 2015 مخاطباً العبادي: "لا يمكن للعراق أن ينهض بدون وجود أساس لا مركزي صحيح، وإن توزيع السلطة والقوة في نظام لا مركزي غير طائفي شرط أساسي لا غنى عنه لإنجاح أي مشروع إصلاحي"، ويرى الكاظمي أن الحجر الأساس لهذا التوزيع يجب أن يكون جغرافياً واقتصادياً بدلاً من اعتماد الأساس القومي والطائفي.
ترجمة: شونم عبد الله



