رووداو – الموصل
في مساء أحد أيام أيلول الماضي، وبعد قضاء نهار حار، كان خالد أحمد عائداً إلى داره التي دمرت الضربات الجوية الرامية لطرد داعش من مدينته نصفها، وكله أمل في أن يقضي ليلة آمنة.
لم يكن خالد أحمد، 54 سنة، قد ارتاح من تعبه عندما دق أحدهم باب بيته، وعندما فتح الباب وجد رجلاً يضع نظارات شمسية وفي يده ورقة، كان الرجل يريد أن ينقل أثاث بيته إلى حي الزهور في شرقي الموصل وكان على خالد أن يوقع له على طلبه.
يذكر خالد ذلك اليوم جيداً، ويقول: "لم أتبين ملامحه جيداً، لكنه كان يتحدث اللهجة الموصلية"، وبينما كان يحدث الرجل الغريب اجتمع حولهما أولاد زوجته الخمسة، وكانت زوجته منشغلة بأعمالها المنزلية. كان والد هؤلاء الأولاد قد قتل بوحشية من قبل الدواعش في العام 2014، وكانت جريمته الوحيدة هي الانتساب إلى الشرطة الاتحادية العراقية.
قامت الحكومة والأجهزة الأمنية العراقية، بعد استعادة السيطرة على الموصل في أيلول 2017، بإعادة النظر في نظام تعيين مختاري أحياء المدينة، لأن بعض المختارين السابقين تورط في التعاون مع داعش، وتم تعيين خالد مختاراً للحي.
يعتبر المختارون عيون وآذان القوى الأمنية في المدينة وتقع عليهم مسؤولية التحقق من هوية أي شخص يريد السكن في حي أحدهم، لذا كان على كل من يريد السكن في حي الزهور أن يحصل على موافقة خالد المختومة.
كان الرجل في العشرينيات، وأراد من خالد أن يختم له أوراقه، لكن خالداً قال له إن ذلك ليس ضمن نطاقه مسؤوليته، فألح الرجل وعرض عليه رشوة قدرها 50 ألف دينار، وتمسك خالد بموقفه ورفض وضع ختمه على تلك الأوراق.
يقول خالد: "ملّ في الأخير، لكنه قال إنه يشعر بالعطش وطلب أن أسقيه ماء"، لكن الرجل الغريب استل مسدساً في تلك اللحظة وأطلق رصاصة على رأس خالد الذي سقط على الأرض.
أشارت أم الأولاد، التي طلبت عدم نشر اسمها، إلى الأرضية الكونكريتية وقالت لشبكة رووداو الإعلامية: "تكونت بركة من الدم هنا، ظننا أنه ميت"، لكن الرصاصة كانت قد أصابت عين خالد اليسرى وخرجت من أذنه اليمنى، ولاذ المهاجم بالفرار فوراً.
نقل خالد إلى المستشفى على وجه السرعة ونجا بأعجوبة من الموت. كان خالد قد فقد عيناً خلال حرب الثماني سنوات بين إيران والعراق، وأصبح الآن كفيفاً تماماً.
خالد، واحد من عشرات مختاري أحياء الموصل الذين تستهدفهم خلايا داعش النائمة، وهي ظاهرة تستشري في المناطق السنية من العراق وسوريا والتي كان داعش يحتلها.
قال خالد، الذي تحدث لشبكة رووداو الإعلامية في أواخر نيسان: "أعرف خمسة مختارين قتلوا أو أصيبوا بإعاقات دائمة بسبب هجمات مسلحي الظل التابعين لداعش"، ولا يخفي داعش أنه يستهدف المختارين وشيوخ العشائر وأعضاء الميليشيات السنية التابعة للحشد الشعبي.
وقد أظهر تسجيل فيديو نشر السنة الماضية، عدداً من مسلحي داعش يرتدون زي منتسبي الجيش العراقي وهم يقتلون مختاري أحياء في ديالى وصلاح الدين، وفي أحدث تسجيل من هذا النوع سجل في الفلوجة، يقوم خمسة من مسلحي داعش بمداهمة دار فيها عشرة أشخاص ربما يكونون من عناصر القوات الأمنية ويقومون بإخراجهم واحداً بعد الآخر إلى الخارج ويقتلونهم بمسدسات كاتمة للصوت.
وفي تصريح لشبكة رووداو الإعلامية، قال المحلل السياسي، غانم عابد، إن استهداف المختارين ليس بجديد في العراق لأن طبيعة عملهم المتمثلة في إبلاغ الحكومة بتحركات الناس جعلتهم مستهدفين، وأضاف عابد: "بدأ استهداف المختارين في الشهرين الأولين اللذين تبعا طرد داعش من المنطقة، بقتل للمختارين وزرع العبوات المتفجرة في محلات سكنهم".
تريد الخلايا النائمة لداعش التحرك بعيداً عن أعين القوات الأمنية، لكن المختارين يعيقون تحركاتهم، ويقول عابد: "يعرف داعش أن نقطة ضعفه تتمثل في أن المختارين، وكجزء من مهامهم الإدارية، يزودون القوات الأمنية بتقارير عن تغيير محلات سكن المسلحين وعوائلهم".
في تسجيل الفيديو الذي نشر في نيسان والذي ظهر فيه أبو بكر البغدادي، وإلى جانب إظهار الأخير أسفه على هزيمة داعش في الباغوز، طالب أتباعه باللجوء إلى التاكتيكات القديمة التي كانت متبعة في بدايات ظهور التنظيم، عندما كانت الخلايا النائمة للتنظيم تستهدف منتسبي القوات الأمنية والمتعاونين معهم، ومن بينهم المختارون وشيوخ العشائر.
فقد قال البغدادي في معرض كلامه: "إن حرب الإسلام وأتباع الإسلام ضد الصليبيين وأتباعهم حرب طويلة".
يرى ناصر إدريس، 53 سنة، وهو مختار واحد من أحياء شرقي الموصل قتل مسلحو داعش أخاً له بسبب تعاونه مع القوات الأمنية الكوردية، أن الحياة الحالية في المدينة أفضل بكثير من الفترة التي أعلن فيها أبو بكر البغدادي ما يسمى بالخلافة.
وقال إدريس لشبكة رووداو الإعلامية: "كنت أعمل سائق سيارة أجرة في السابق، وبعد تحرير الموصل جمعت مائتي توقيع دعماً لترشيحي كمختار للحي".
كانت الأمور تجري بصورة جيدة في الأشهر الستة الأولى التي تبعت استعادة الموصل، لكن ناصر إدريس كان يعرف أن الخلايا النائمة لداعش تراقبه، بل تلقى تهديداً خطياً بالقتل، وفي الأخير، نفذ مسلحو داعش محاولتين لاغتياله في شباط وحزيران من العام الماضي، وفي المرتين وضعوا عبوة متفجرة تحت كرسيه لكنه أفلت من الموت في المرتين.
ويقول ناصر عن المحاولتين: "في هجوم شباط أصبت بمائتي شظية صغيرة وكبيرة"، وقتل في الهجوم ضابط شرطة وعن سبب الهجوم قال ناصر: "عندي ناس جيدون يخبرونني بكل ما يجري في هذا الحي"، ويقول إن حال المختارين في الجانب الأيمن من الموصل أسوأ بكثير.
تحدثت رووداو في أواخر نيسان إلى عدد من عمال البناء في الجانب الغربي من الموصل، وأعلن العمال الذين طلبوا عدم الإفصاح عن هوياتهم في تقرير رووداو، أن الخلايا النائمة لداعش تنشط ليلاً عندما تعود القوات الأمنية إلى مقراتها وقواعدها العسكرية.
يلازم خالد أحمد داره في الجانب الشرقي من الموصل، ولم يتأقلم بعد مع فقدان البصر، ورغم حالته الجسدية فإنه يشعر بخوف كبير لأنه غير مطمئن إلى أن المهاجم لن يعود مرة أخرى ليكمل إنجاز مهمته.
ويقول خالد: "كلما سمعت صوت إطلاق نار يتملكني الخوف، وكلما سمعت صوتاً عالياً يقشعر بدني، فأنا متأكد أن ذلك الشاب سيعود يوماً ويقتلني".



