الهزيمة السياسية أكبر وأشد بكثير من الهزيمة العسكرية، وما شهدناه من فصائل المعارضة السورية المسلحة في عفرين كان قضاء تاماً على مصداقيتهم عند الشعب الكوردي والشعب السوري، وحتى عند العالم الذي يراقب تلك الحرب والأزمة السورية. بعد معركة عفرين لم يعد هناك ما يعرف بـ"الثورة السورية"، لأن الجميع بدأ يقارن، ويرفض تماماً القبول بهؤلاء كبديل يمكن أن يحكم مجتمعاً آمناً نامياً.
مظاهر فصائل المعارضة السورية المسلحة في عفرين حسمت كل شيء. أولى صور وصول تلك القوات إلى ريف عفرين بدأت بسرقة الدواجن والجرارات الزراعية، أول مظاهر دخولهم إلى مدينة عفرين بدأ بإهانة تمثال كاوا الحداد وتحطيمه، وطواف دبابة حول دورة كاوا الحداد على غرار دبابة داعش في الموصل، وإهانة علم كوردستان، ثم نهب دور مدينة وقرى عفرين داراً بعد دار وسلب الناس هواتفهم النقالة وكل ما تحتويه جيوبهم واجتثاث بعض الأشياء باستخدام الرافعات، ودس الأحذية في أفواه بعض الذين أسروهم من أهالي عفرين ونشر تلك الصور، ومنع النازحين من العودة، والاعتداء على فتيات قاصرات (كما أشار إلى ذلك رجلان مسنان عبر شاشة تلفزيون تركي)، واستقدام عوائلهم لإسكانها في بيوت النازحين وجلب سكان الغوطة الشرقية وغيرها إلى عفرين. هذه المظاهر كلها أفرغت المعارضة السورية تماماً من محتواها كقوة ثورية مدافعة عن الشعب تريد إحداث تغيير باتجاه مستقبل أفضل. لهذه الأسباب، فإن أية قوة تتصرف بهذه الطريقة مع منطقة ما، لا ولن تتمتع بأية شرعية تؤهلها لإدارة تلك المنطقة. هذا بعينه دفع اثنين من كبار السن من أهالي عفرين، آلمتهم كثيراً تصرفات تلك الفصائل المسلحة، إلى إخبار تلفزيون تركي بأنهم يريدون من تركيا أن تتولى حكم عفرين بنفسها، وأن لا تدع تلك الفصائل تحكمها.
بعد اجتماع كل تلك القوى الخطرة في عفرين، باتت عفرين الآن أخطر من جميع المناطق التي كانت روسيا وسوريا وحلفاؤهما تقاتل فيها تلك القوات نفسها تحت غطاء "محاربة الإرهاب"، في حين أن فصائل المعارضة المسلحة لم تمارس في تلك المناطق الأخرى أعمال النهب والاعتداء على الأموال والأرواح وعلى رموز تلك المناطق، بل كان لها الكثير من المؤيدين بين سكان أغلب تلك المناطق.
تعكس صور عفرين الحالية، صورة كبرى، على الأقل لسوريا في السنة الحالية، إن لم نقل أنه يصور مستقبل كل تلك القوى المعارضة ومستقبل سوريا ككل. لدى المساومة بالغوطة الشرقية ودوما لقاء عفرين وتل رفعت، كانت تلك القوى المعارضة مادة للمساومة السياسية بين الدول، وهكذا لن يعود لتلك المعارضة أي موقع أو تأثير في أية مباحثات مستقبلية حول سوريا. وقد اتجه دور المعارضة، كعامل سوري بعد بدء اجتماعات أستانة، نحو الأفول التام ليقضى عليه أمام الشعب الكوردي في سوريا بعد نهب عفرين.
حشدُ القوى المتطرفة والمجيء بعشرات الآلاف من مناطق سوريا الأخرى إلى عفرين، والسماح بإدارة عفرين من قبل فصائل المعارضة السورية المسلحة تلك، سيجعل من تلك المنطقة أخطر منطقة في العالم، كما أن تجمع المجاميع المتطرفة في الفلوجة والموصل بعد سقوط نظام صدام، أدى إلى إحياء القاعدة وظهور داعش ودفع بتلك المنطقة والعالم إلى أتون الحرب وسبب الكثير من الدمار.
انحراف توجه تركيا عن حزب الاتحاد الديمقراطي بدفع من الحزب نفسه، باتجاه تلك الفصائل السورية المعارضة، كان خطأ كبيرا. فعند تسنمه السلطة في كوردستان سوريا، دعي الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي رسمياً لزيارة تركيا عدة مرات واستقبل هناك، ولو أن تلك العلاقات مضت نحو الأفضل، لمضت عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكوردستاني نحو الأفضل ولما فشلت تلك العملية، وكان الطريق إلى تحقيق ذلك يمر عبر إدراك الدور الإقليمي لتركيا وأهميتها بالنسبة إلى كوردستان سوريا، وكذلك اتفاقيات أربيل ودهوك التي شاركت فيها كافة القوى الرئيسة في كوردستان سوريا، كانت ستؤدي إلى قيام الإدارة الموقتة هناك بطريقة تعبر عن رغبات ورموز كوردستان سوريا بصورةٍ لا ترى معها أية دولة تلك الرموز والرغبات وطريقة الإدارة عداء لها، ولا تسبب استفزازاً لأية دولة. الآن أيضاً، لا يزال الحل يكمن في تشكيل إدارة مشتركة نابعة من رحم طبيعة كوردستان سوريا تتولاها القوى الرئيسة في كوردستان سوريا، بحيث لا تعتبر ملحقاً تابعاً لأية قوة أو جهة.
ينبغي أن تتحول معركة عفرين ونهبها مادة للإعتبار بالنسبة للكورد وللدول المؤثرة في سوريا والدول الإقليمية، لا أن تتخذ نموذجاً يحتذى.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



