لم يكن افتتاح أكبر قنصلية أميركية في العالم بمدينة أربيل مجرد خطوة دبلوماسية روتينية، بل كان إعلاناً سياسياً مدروساً يحمل دلالات عميقة على مستوى العراق والمنطقة، فواشنطن لا تستثمر بهذا الحجم الضخم، مالياً وسياسياً وأمنياً، إلا في مكان تثق به، وتراهن على استقراره ونموه، وتؤمن أنه جزء أساسي من مستقبل الشرق الأوسط.
لذلك فإن افتتاح هذه القنصلية العملاقة يؤكد دون أي لبس متانة العلاقة بين الشعب الكوردي والولايات المتحدة الأميركية، وخاصة العلاقة التاريخية التي تربط واشنطن مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني ومع الرئيس مسعود بارزاني، الذي كان لاعباً رئيساً في بناء جسور التعاون والشراكة بين الطرفين منذ عقود.
ثمار علاقة طويلة من الثقة والتنسيق
العلاقة الكوردية - الأميركية ليست علاقة طارئة أو وليدة اللحظة، هي علاقة بنيت على أسس واضحة، وأهمها دعم حقوق الشعب الكوردي، والشراكة في محاربة الإرهاب، والتعاون الأمني والعسكري واحترام خصوصية الإقليم واستقراره.
إن وجود أكبر قنصلية أميركية في أربيل هو تتويج لتاريخ طويل من المواقف المشتركة، بدءاً من مرحلة ما بعد 1991، مروراً بفترة إسقاط نظام صدام حسين، وصولاً إلى المعركة ضد داعش التي أثبت فيها البيشمركة أنهم القوة الأكثر انضباطاً وشجاعة في المنطقة، ولطالما كانت أربيل مركز الثقة الأميركية في العراق، حيث حافظت على أمنها وانفتاحها واستقرارها في أشد الظروف، وهو ما جعلها المكان الأنسب لوجود تمثيل دبلوماسي ضخم بهذا الحجم.
أربيل مدينة تتحدى الأعداء
أربيل اليوم ليست فقط عاصمة سياسية، بل أصبحت مركزاً اقتصادياً ودبلوماسياً، والقنصلية الأميركية ليست إلا واحدة من عشرات البعثات الدبلوماسية العالمية التي تتسابق لافتتاح مقراتها في الإقليم، وهذا الحضور الدولي لا يأتي من فراغ، فأربيل تقدم بيئة أمنة، مستقرة، منظمة، ومهيأة للاستثمار، وهذه الميزات هي تماماً ما تزعج خصوم إقليم كوردستان، الذين يرون في نجاح أربيل خطراً على نفوذهم القائم على الأزمات والفوضى والاضطرابات، كلما تقدمت أربيل خطوة إلى الأمام، شعر هؤلاء بالخطر، لأن نجاح الإقليم يفضح فشل الآخرين، ويكشف حجم الهدر والفساد الذي يعيشه من يفتعلون الأزمات.
لماذا كل الأنظار على أربيل؟
ببساطة لأن أربيل أصبحت اللاعب الأهدأ والأكثر تأثيراً في العراق وقوة سياسية متماسكة. مشروع وطني واضح وإدارة ناجحة واقتصاد متطور وتحالفات دولية ثابتة، وشراكات استراتيجية تمتد من واشنطن إلى أوروبا، ومن الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية لا تنظر إلى أربيل كمدينة فقط، بل كحليف طويل المدى، وكركيزة استقرار في منطقة لا تعرف الهدوء.
نجاح أربيل المستمر، وافتتاح قنصلية أميركية بهذا الحجم تحديداً، كان كافياً لإثارة غضب الأطراف الداخلية والخارجية التي ترى في استقرار الإقليم تهديداً مباشراً لمصالحها، ولذلك بدأنا نرى حملات إعلامية مضادة ومحاولات إشعال أزمات أمنية واستهداف للبنية التحتية وخاصة قطاع الطاقة وروايات سياسية مشوهة ومحاولات خلق فوضى في القرى والمناطق المحيطة بأربيل.
هذه الجهات تدرك أن ضرب أمن الإقليم، ولو بشكل محدود، قد يؤثر على مكانته الدولية، ولذلك تتعمد المساس بالاستقرار من بوابات صغيرة، عبر أشخاص أو أحزاب مأزومة تبحث عن أي وسيلة لتشويه صورة أربيل، لكنهم ينسون أن أربيل اليوم أقوى من أي وقت مضى، وأن تحالفاتها الدولية ليست شعارات، بل واقع دبلوماسي واقتصادي وأمني راسخ.
القنصلية الأميركية رسالة صريحة
وجود هذا الصرح الدبلوماسي الهائل في أربيل هو رسالة مباشرة أربيل ليست مدينة عابرة، بل مركز قرار دولي، وهي أيضاً إشارة واضحة بأن الولايات المتحدة الأميركية تنظر بإيجابية واستراتيجية إلى دور الرئيس مسعود بارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني، باعتبارهم الشريك الأكثر استقراراً ووضوحاً ومصداقية في العراق وإن افتتاح أكبر قنصلية أميركية ليس مجرد بناء، بل إنه إعلان بأن أربيل جزء من معادلة المستقبل.
بكل إختصار أربيل تتقدم، تنمو، وتثبت يوماً بعد يوم أنها عاصمة الاستقرار في العراق والمنطقة، والقنصلية الأميركية ليست بداية هذا الاستقرار، بل نتيجة له، ودليل على الثقة الدولية التي اكتسبها الإقليم عبر سنوات من العمل السياسي الحصيف الذي يقوده الرئيس مسعود بارزاني.
كلما حاولت الأطراف المعادية استهداف أربيل أو تشويه صورتها، ستبقى الحقيقة أوضح من حملات التشويه، أربيل أقوى، وتحالفاتها أمتن، ومستقبلها أوسع مما يتخيل خصومها.



