تتشابه نوعاً ما الماسونية العالمية التي أسسها اليهود من حيث الأهداف بينها وبين الماسونية الخاصة التي تدير ملف كوردستان، وإن تمّ تعريف الأولى، فمن تلقاء نفسها تظهر الثانية وتتوضح الأمور إلى أين تتجه، ولا يعني هذا مطلقاً معرفة من وراء الأمر أو حتى التكهن بهم، فالغموض والقناع هو الركيزة الأساسية لبقائها واستمرارها، وما يجري على الساحة وفي منابر الإعلام وعلى خشبة المسرح هو منافٍ للحقيقة شكلاً ومضموناً، فقط تتوضح الخارطة من أين تبدأ دون أن يتم إغلاق إطارها الجغرافي على الأرض.
تدخلت الماسونية في تقسيم كوردستان بين دول المنطقة لإنهاء أي ارتباط بينهم وبين قوميتهم، وأجبرتهم على العودة للعيش تحت سقف الأديان وتقديم الولاء لمن يدعون أنهم وكلاء الله على الأرض والعيش ضمن دائرتهم فقط ليكونوا جنوداً داخل الصراع الطائفي المخطط له، وغير مسموح إطلاقاً للكورد النأي بالنفس عن هذا الصراع وتشكيل دولة قومية قوية في الشرق الأوسط، تلاعبت باحترافية حين منحت للكورد في أذربيجان حكمهم الذاتي "كوردستان الحمراء" بين 1923 و1929، انتهت بخطاب بريدي واحد بعد انقضاء مصالح السوفييت، سمحوا بإقامة مملكة كوردستان في السليمانية بين عامي 1922 و 1924 وانتهت أيضاً بخطاب بريدي، أعطوا للكورد في مهاباد استقلالهم "جمهورية كردستان" عام 1946 ولم تدم سوى عام واحد حتى انتهت كسابقاتها، سمحوا للكورد بإقامة حكم ذاتي في التسعينيات داخل كوردستان العراق وبفدرالية قانونية داخل الدستور العراقي عام 2003، وسرعان ما حاولوا في عام 2017 إنهائها وكانت على وشك الانهيار، إلا أن عناد وإصرار الكورد وثبات موقفهم كان سداً منيعاً أمام ذاك المخطط، أعطوا للكورد في سوريا حرية إدارة مناطقهم في بداية 2012 وإنشاء قانون المؤسسات، لكن دون جدوى كسابقاتها.
الوليمة كوردية والجالسون عليها غالبيتهم ليسوا منها ولا يوجد أي اعتراف دولي يصون حمايتها، لم يدخل أي كيان كوردي حتى الآن ضمن حقوق الملكية الدولية رغم كل ما قدموه للمجتمع الدولي من تفاني وإخلاص، السلام من جهة، ومن جهة أخرى صون مصالحهم، ما لم تقدمه له أي شعوب أخرى.
باتت الآن الأمور أوضح، لم تقم أي دولة من خلال رؤسائها أو ملوكها أو حكوماتها بالاتفاق مع القيادات الكوردية لتكون وثائق معترفة،وإنما جرت معظم الاتفاقيات في التاريخ والحاضر من خلال مندوبي القوى العظمى في الشرق الأوسط المنتميين للماسونية الكوردية، بركان الشرق الأوسط منذ عام 2011 كان مرآة واضحة لتعكس الرؤية بأن الكورد هم المنقذ والمسعف للشعوب الأخرى في المنطقة وعلى حساب أرضهم ودماء أبنائهم، وكانت مكافأتهم من قبل أسياد العالم هو عدم الاعتراف بكيانهم القومي ودولتهم التي لطالما ناضلوا لأجلها، أصبحت الماسونية الكوردية حقيقة لا غبار عليها من خلال الوقائع التي جرت وما زالت مستمرة.
في أي خطوة تسبق اللعب في الملف السني الشيعي أو في الملف الدائر في إيران وتركيا وسوريا، يتم اللجوء إلى الكورد لدخولهم في الحلبة الرومانية، ويسبقها خطاب إعلامي على مستوى رفيع لمسؤولي الدول العظمى تتحدث عن حقوقهم، الهدف منه هو إرضاء الشارع الكوردي بأن ما يجري في صالح قضيته وبذلك تكون مناطقهم مفتوحة على مصراعيها لاستقبال قواعدهم وهيئاتهم الدبلوماسية وفي آمان تام، سرعان ما تنتهي تلك المهمة لتعود الأمور كما كانت ويصبح الوهم واقعاً ملازماً لهم، والحقوق تذهب في مهب الرياح العاصفة بأجندات الآخرين.
في كوردستان إيران ضاع الحلم والواقع معاً، ولم يعد هناك على الأرض أي بصيص أمل في قيام كيان كوردي في ظل الهلال الشيعي المحصور في ولاية الفقيه وفق منطق السلطة والقوة، في تركيا الأمر ذاته إعادة الخلافة المرتسمة بالإسلام المزيف كواجهة للإمبراطورية العثمانية المدفونة بجرائمها في أعماق الأرض، بات الكورد على وشك الانصهار داخل المناطق المسماة بقسم آسيا وأوروبا، في سوريا أيضاً أصبح الشعب في متاهات الآباء الذين يدعون أنهم وكلاؤهم، مطالبين بحصص شخصية ومكاسب حزبية، مئات المنظمات بأسماء مختلفة تستقبل أموال طائلة من الخارج وطوال ثمانية أعوام لم تضع حجراً على حجر، تنحصر مهماتهم في وضع تقارير وجداول غالباً ما يستفيد منها مؤسسو الماسونية ربما كعملية استخبارات لمعرفة ما يجري بعمق للتهيئة للقادم.
لا يختلف الأمر بالنسبة لضخ الأموال الهائلة لصالح الإعلام المنتشر بكافة وسائله المرئية والورقية والإلكترونية، الذي من المفترض أن يكون سلطة رابعة وسلاحاً على الفساد، لكن الأحداث تبرهن أنه عبث ومجرد هراء فضائي زاد من الطين بلة، ليؤكد بأن ما يجري هو للتشويش على الإعلام الحقيقي إن وجد، وضياع الحقيقة الرئيسية وذهابها فقط للراعي الأول الذي غالباً ليس بحاجتها بقدر ما يحتاج لمعرفة أن ما يديره يسير في آمان.
وحتى في العراق ورغم أن الكورد هناك قد اجتازوا خطوات كثيرة إلى بوابة الاستقلال، إلا أن ماسونيتهم تعمقت في بيتها وجعلت من تلك المسافات التي اجتازتها حفرة عميقة من الصعب العودة إليها للملمة الجراح، وعلى الأغلب تلك الحفرة هي لمنع ربط خط البداية والنهاية، وهو ما يدل على أن من يملك الوسائل لسدها وتسهيل الطريق لإعلان الدولة الكوردية يشترط انصهار الكورد في الأجزاء الأخرى مع شعوبها وإزالة كل مخاوف قيام أربع دول كوردية، لكن يبقى السؤال مطروحاً ومشروعاً في معرفة ما هي الضمانات إن ضحى غالبية الكورد بمستقبلهم في الدول الثلاث مقابل اعتراف دولي باستقلال كوردستان العراق.
الكورد في سوريا عادوا كما السابق وكأن شيئاً لم يحصل، أو بالأحرى الرضوخ للواقع بأن آثار البركان كما فعلت بغيرهم كان لهم نصيب منها، وكذلك الأمر بالنسبة للكورد في تركيا وإيران، فهل أمريكا وروسيا وراء هذا المشروع، أم بريطانيا المتمردة على اتحادها الأوروبي، والتي أعادت تشتت الغرب في الحرب العالمية الأولى والثانية من جديد، ربما لتعود كدولة عظمى بين الأقوياء دون التزامات، والانفراد بقرارها السيادي.
مهما كانت أهداف القوى التي تتحكم بـ70 مليون كوردي في العالم، فإن القوى الكوردستانية ليست بحاجة للسلاح فقط لبناء كيانها، بل بحاجة للفكر والمعرفة في تهيئة جيل المستقبل ودعمه ليصبح الأساس في بناء مستقبله، يتم بناء الأوطان بالفكر والمعرفة والتخطيط السليم ثم يأتي دور السلاح للحفاظ على ما تم بناؤه، سر القضية يكمن في ضمير غالبية الكور،د والتي تتمحور في قوميتهم، وكوردستان التي لطالما انتظروها مع آبائهم وأجدادهم وورثوها لأبنائهم، فلو استطاعت الماسونية أن تفعل ما تريد على الأرض، أتراها تستطيع أن تفعل ذات الأمر وتغير زمرة دم الشعب الكوردي.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



