منذ إلحاق الشعب الكوردي في جنوب كوردستان بالعراق العربي بدون موافقة منه وبدون مراعاة لحقوقه، في إطار حل مشكلة ولاية الموصل، وبقرار من عصبة الأمم في 1925، وحتى المصادقة على الدستور العراقي الدائم في 2005، ناضل هذا الشعب بطرق مختلفة في سبيل نيل حقوقه ومعاداة بغداد.
ورغم عدم التمكن من تحقيق كل مطالب الكورد، فإن خريطة الطريق التي وضعها هذا الدستور للشراكة بين الكورد والعرب، جعلت الكورد يحيلون كفاحهم ونضالهم وتضحياتهم على مدى 80 سنة إلى هذا الدستور العراقي الدائم، ودخل النضال الكوردي في العراق مرحلة جديدة منذ المصادقة على هذا الدستور، ألا وهي مرحلة تحقيق الحقوق التي أثبتت في الدستور.
لكن رغم توقع الكورد الحصول على نوع من الطمأنينة إلى أن حقوقهم ستتحقق مثلما جاء في الدستور، فإنه ولعدم تمكن قسم كبير من القوى واللاعبين السياسيين العراقيين من تغيير عقلية الماضي التي زجت بالعراق في ما هو عليه اليوم، لم تؤد المصادقة على الدستور إلى ألغاء حالة القلق بين الكورد وبغداد، الأمر الذي أشار إلى العودة إلى المربع الأول.
فقسم من السياسات التي كانت تدار من بغداد، أو خطابات وتصرفات بعض أصحاب السلطة من الشيعة، الذين كانوا في السابق رفاق نضال مع الكورد، دلت على تبني نفس ستراتيجيات البعث الرامية إلى التطهير العرقي للكورد والتغيير الديموغرافي والتعريب. في الأخير، خلق هؤلاء جواً اضطر معه الكورد للبحث عن طريق للخروج من العراق، وهذا ما أعاد الكورد وبغداد مرة أخرى إلى التخندق في مواجهة بعضهما البعض ونوع من التفرغ لمعاداة بعضهما بعضاً.
الأحداث التي تلت الاستفتاء و16 أكتوبر، دفعت الإقليم والمركز للعودة إلى طاولة حوار جاد لتحديد المشاكل، وكان كثيرون من الطرفين يعتقدون أن السبب الرئيس للمشاكل هو إهمال الدستور. فكانت التوقعات تشير إلى اتخاذ الدستور محكاً. رغم أن الكورد واثقون من أن قسماً كبيراً ممن في السلطة في بغداد لن يلتزموا بالدستور، لكن بين اللجوء إلى سلاح التخندق وسلاح الدستور، كان الأفضل هو اللجوء إلى الطريق الأصح، حتى إن كانت الآمال ضعيفة. فعل الكورد هذا، ومع أمل ضعيف ينتظرون من الدستور العراقي أن يداوي بعض جراحهم. في حين أنهم يرون بوضوح الخراب في العراق، وها هم الآن يريدون القضاء على سلاح الدستور هذا أيضاً.
الإحصائيات والبيانات التي تنشر وتتحدث عن حجم الفساد والهدر وسرقة ثروات هذا البلد، كلها صحيحة. لا يشك أحد في أن العراق يأتي في مقدمة الدول الفاسدة، ولا يمكن إخفاء نسب الفقر والبطالة بين شبابه، كذا ضعف مؤسسات الدولة ونفوذ الفصائل المسلحة على حياة الشعب وعلى الحكومة معلوم. هناك أناس استغلوا هذه الفرصة ليتخذوا من الدستور ذريعة يبررون بها المآسي ويوهمون الناس بأن العراقيين خرجوا إلى الشوارع للمطالبة بتغيير الدستور.
إن تحريف اتجاه الشارع ولفت انتباه الناس، وركوب موجة الغضب وزج الأجندات الخاصة باسم المتظاهرين، أمور جرت في مرات كثيرة وليست بالجديدة، وما يجري الآن في بغداد والمزاعم القائلة بأن الشعب العراقي يطالب بتغيير النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي ويطالب بتغيير الدستور، سيناريوهات معروفة خلفياتها وأهدافها. ففي الأيام التي كتب فيها الدستور، لم تكن ظروف العراق تسمح بإدراج الأجندات الحالية فيه. المسألة مرتبطة بتقسيم مراحل التشبع. الشيعة يرون أنهم قد بلغوا الآن مرحلة يجب أن يكون الدستور فيها دستور الشيعة، ومعلوم أنه، مثلما جرى مع قانون الحشد الشعبي، ولذر الرماد في العيون، يجب أن يكون عرابو هذه الدعوة من خارج الشيعة.
يبدو أن الكورد عند كتابة الدستور كانوا يدركون أنه سيأتي يوم يرفض فيه الشيعة هذا الدستور، لهذا تم تثبيت مجموعة خطوات وإجراءات دستورية تجعل من تغيير الدستور عملية صعبة. لهذا لا يبدو أن الشيعة، في المرحلة الأولى، سيمدون أيديهم إلى مسائل تعتبر حساسة عند الكورد وسيكون هدفهم الأول هو التخلص من العوائق، وأن يقوموا بتغيير الدستور بطريقة تبدو لنا أنها لا تشكل خطراً على مكاسب الكورد. لكن علينا أن لا ننسى أن هذه أيضاً أوضاع موقتة، وهدفها في المرحلة الأولى هو إلغاء العقبات التي تعترض سبيل تغيير الدستور ثم وفي ظل ظروف أخرى سيحققون هدفهم الأساس بسهولة ألا وهو التراجع عن الفدرالية، والعمل على إلغاء الكيان الدستوري للإقليم أو إضعافه وتحجيمه لدرجة يكون معها أشبه بنوع من الحكم الذاتي، وإلغاء قوات البيشمركة أو سحب الأسلحة الثقيلة من يد الكورد.
من المهم أن يكون الكورد معاً في مواجهة تطور حساس ومصيري من هذا النوع. لكن المؤسف أن الأحزاب الكوردية تنتهز الأوضاع الحساسة جداً للتخندق في مواجهة بعضهم البعض. إن الأوان هو أوان الحل السريع لكل الخلافات، وأن نستعد للتعامل مع هذه الظروف الجديدة للعراق لأن نتائجها تهمنا أكثر مما تهم العراق.
يجب أن يكون معلوماً لنا أن كل ما يجري تجاه الكورد على مستوى أجزاء كوردستان الأربعة، هو من تخطيط، من الدول الإقليمية معاً وبعلم منها ويدار كستراتيجية مشتركة من قبل هذه الدول. فهناك احتمال كبير بالتزامن مع مشاكل غرب كوردستان، أن تكون المرحلة التالية مرحلة نواجه فيها نحن في الجنوب المزيد من المشاكل والعقبات. القوى السياسية الموجودة حالياً في ساحة كوردستان مسؤولة عن أن تعثر من الآن على الطرق التي تؤدي إلى تجاوز التهديدات التي تواجه شعبنا.
مهما كان الوجه المكشوف والمرئي لما يجري في العراق، فإن تداعياته والأجندات التي تقف خلفه هي التي تمثل خطراً علينا. إن المساس بالدستور هو في كلا الاتجاهين لعب بالنار. فهو لهب وهو نور في نفس الوقت. يمكن أن يكون ناراً تم إيقادها لتستهدف بيتنا، وقد يكون ممكناً تحويله إلى فرصة لحل بعض المشاكل بيننا. لكن الحاسم بالنسبة إلينا، هو نحن أنفسنا. فهل سيتخذ الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني مما يجري فرصة لتصفية حساباتهما؟ أم سيسندان ظهرهما لظهر الشعب ويقاتلان في سبيل مستقبل الكورد؟
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



