(1)
لو أن أحزاب السليمانية لم تحتجّ بعدم نظافة سجلات ناخبي كوردستان (التي حذفت منها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في كوردستان عشرات آلاف الأسماء المكررة وغير الصحيحة)، وخاضت انتخابات برلمان كوردستان قبل انتخابات 12 أيار العراقية، لكنا اليوم نشهد لوحة مختلفة تماماً، وكان تملص الأحزاب (عدا الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي كان يريد إجراء انتخابات برلمان كوردستان قبل انتخابات مجلس النواب العراقي) بسبب الخوف من أن يفوز الحزب الديمقراطي الكوردستاني ويتمكن من خلال التحالف مع أصحاب مقاعد الكوتا وأحزاب أخرى من تشكيل حكومة أغلبية، فسعت تلك الأحزاب إلى تجربة حظها في بغداد.
وإذا لم تكن هناك أرضية للتحالف بين الأحزاب الأربعة (التغيير، تحالف الديمقراطية والعدالة، الجماعة الإسلامية والاتحاد الإسلامي) قبل انتخابات 12 أيار، فإن هذه الأحزاب قد اجتمعت اليوم حول محور المظلومية التاريخية، وإذا تسنى لهذا أن يكون بذرة لتحالف بينها في الانتخابات المحلية، وانتخابات مجالس المحافظات، فإن ميزان القوى في كوردستان سيتغير. بالرغم من أن برهم صالح كان المستهدف الرئيس من التزوير في السليمانية، فإن الأحزاب الأخرى وقسم من الاتحاد الوطني الكوردستاني راحوا ضحايا له، ولا أرى أن برهم صالح وكوسرت رسول سيرضخان للقبول بتلك النتائج، لذا فإن هناك خطوات أمام برهم صالح في الداخل، موازية لأخرى دولية وحتى إقليمية، تمكنه من تولي قيادة المعارضة (أو كتلة سياسية جماهيرية) فيسحب البساط من تحت الاتحاد الوطني الكوردستاني. هذه الخطوات ستكون أشد وطأة على عائلة الطالباني من انشقاق التغيير، رغم أن هذه العائلة ترى أنها تسيطر الآن على حركة التغيير من خلال أولاد نوشيروان مصطفى، لكن حركة التغيير تعمل الآن على تنظيف بيتها، والكتلة السياسية التي ستشكل، ستخرج من حدود السليمانية، وتستطيع الحصول على مقاعد من زاخو حتى كرميان في برلمان كوردستان، الأمر الذي سيخرجها من الإطار المناطقي.
(2)
إن حال الاتحاد الوطني الكوردستاني باتت كحال الشخص الممنوع من دخول قرية، لكنه لم يكف عن السؤال عن بيت مختارها، فبينما عاصفة السجال حول التزوير في السليمانية وكركوك لصالح مرشحي العائلة لم تهدأ بعد، وتظهر يومياً أدلة جديدة عليه، لكن تلك العائلة تظن أن بإمكانها الحصول مرة أخرى على منصب رئيس الجمهورية في بغداد، وإذا كان صعباً على الاتحاد الوطني الكوردستاني أن يحصل على هذا المنصب، فإن من المحال أن يذهب إلى "لطيف رشيد"، والذي يريد الاتحاد الوطني الكوردستاني أن يساوم به على ذلك المنصب مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني هو منصب رئيس إقليم كوردستان.
في الفترة السابقة كانت الأحزاب (عدا الديمقراطي الكوردستاني) تؤيد تعديل قانون رئاسة إقليم كوردستان، ليجري انتخاب الرئيس من قبل البرلمان، والجميع الآن في مواجهة واقع يفرض عليهم أن يكونوا صادقين مع ناخبيهم، فمع تقسيم صلاحيات رئيس الإقليم بقانون، لا يزال البرلمان فاعلاً ويستطيع تعديل قانون رئاسة إقليم كوردستان، وهناك طرق مستقبلية (حيث ينص الدستور العراقي على أن للإقليم رئيساً) يبدو أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني مستعد لها، وهي أولاً، أن ينتخب الرئيس من قبل الشعب مباشرة حسب القانون القديم، ثانياً، تعديل القانون وتقليص جزء من سلطات رئيس الإقليم، وثالثاً، استمرار الوضع الحالي لحين كتابة الدستور.
لو أن الأحزاب تصرفت بعلانية في مواجهة الحزب الديمقراطي الكوردستاني فإنها تستطيع إدراج منصب رئاسة إقليم كوردستان في التوازن السياسي مع المناصب في بغداد وأربيل، من جديد، لأن رئاسة الجمهورية في ظل الوضع الحالي هي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، وهذا أمر لا يحتمل الجدل، وإذا طالبت الأطراف الأخرى برئاسة الإقليم مقابل هذا المنصب فالميدان مفتوح، وليس أمامهم غير الطرق الثلاثة التي أشرنا إليها.
هذا الموضوع لا يشكل أية مخاوف سياسية للحزب الديمقراطي الكوردستاني، بل على العكس تماماً، لأنه لا يطالب إلا باستحقاقاته التي حصل عليها من خلال صناديق الاقتراع وفقاً لحجمه الحقيقي، وهو لا يفكر في احتكار أي منصب. لهذا، من الطبيعي بالنسبة للحزب الديمقراطي الكوردستاني أن يتم انتخاب رئيس الإقليم في البرلمان، أو أن يشغل المنصب شخص من خارج الحزب ومن السليمانية بصورة خاصة.
(3)
خلال اثنتي عشرة سنة من تولي الرئيس البارزاني رئاسة إقليم كوردستان، كان هناك جيل من الكتبة أو أشباه الكتبة الذين يكتبون مقالاً أو أكثر في الأسبوع الواحد ويعقدون ندوات ويحضرون اجتماعات ويظهرون على شاشات التلفزة. هذا الجيل يعض الآن على أصابع الندم، بعدما كانوا يربطون بين فيضان ليس في أربيل أو السليمانية، بل حتى في موزمبيق وبين سلطات رئيس الإقليم وغياب النظام البرلماني.
انكب هذا الجيل على العمل على فكرة أن بقاء البارزاني في منصب رئيس إقليم كوردستان هو سبب كل مصائب ومشاكل كوردستان! وبعد أن رفض البارزاني تمديد فترته الرئاسية، اختفت كتابات هؤلاء، وبقي البارزاني حيث كان، لكن مهمة هؤلاء انتهت!.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



