في زحمة الأحداث السورية المتشابكة، كثيراً ما تُطرح تساؤلات حول الهوية، والانتماء، والموقف من القوميات والمذاهب الأخرى، ولكن قلّما تُطرح أسئلة تُعرّي التناقضات الصارخة في سلوك النخب السياسية والإعلامية وحتى "الثورية". ومن بين هذه التناقضات ما يتعلّق بموقف شرائح واسعة من السوريين (وخاصة من العرب) من الكورد، مقارنة بموقفهم من الإيغور القادمين من أقاصي آسيا.
ففي الوقت الذي يُشكّك فيه كثيرون بـ"سوريّة" الكورد وولائهم الوطني، رغم أنهم يعيشون على أرضهم التاريخية الممتدة منذ آلاف السنين، نجد في المقابل من يُدافع عن وجود مقاتلين من أقلية الإيغور الصينية في الشمال السوري، بل ويُقدّمهم كـ"مجاهدين" أو "منفيين قسراً" أو حتى "لاجئين فارّين من ظلم الصين الشيوعية".
كيف يُعقل أن يكون الكوردي، الذي وُلد وتربّى في الجزيرة أو عفرين أو عين العرب، موضع شك أو تهجير قسري، بينما يُرحّب بالوافد المسلّح الذي لا تربطه بالأرض أي جذور تاريخية أو ثقافية؟ ولماذا يُقبل بتوطين جماعات مسلحة غير سورية في إدلب وريف حلب، بينما يُرفض الاعتراف بحقوق الكورد الثقافية والسياسية في مناطقهم؟
مفارقة مزدوجة المعايير
تكشف هذه المفارقة عن اختلال عميق في العقل السياسي السوري التقليدي، الذي لم ينجُ – حتى بعد الثورة – من رواسب الدولة القومية المركزية، حيث تُقاس الوطنية بالهوية العرقية أو المذهبية لا بالحقوق والمواطنة. الكوردي متّهمٌ مسبقاً بالنزعة الانفصالية، حتى وإن نادى بالفيدرالية أو بالاعتراف الدستوري بلغته، أما الإيغوري القادم من تركستان الشرقية، المسلّح بعقيدة جهادية، فلا يُنظر إليه كـ"خطر ديموغرافي" أو "أداة أجنبية"، بل كـ"أخ مسلم مضطهد".
هذا التناقض لا يعود فقط إلى الجهل بالوقائع التاريخية، بل إلى ضعف البوصلة السياسية التي لم تُمَيِّز بعد بين من يطالب بحقوقه المشروعة ضمن وطنه، ومن جاء ليحمل بندقيةً في معركة لا علاقة له بها.
بين الجغرافيا والهوية
الكورد ليسوا قادمين من وراء الجبال. إنهم أبناء جبالها وسهولها. من عفرين إلى ديريك، هم ليسوا جالية طارئة، بل من المكوّنات الأصيلة للهوية السورية، حتى وإن أنكرت الدولة ذلك طويلاً. وقد دافعوا عن أرضهم ضد داعش وضد الاستبداد على حدّ سواء، وطرحوا مشاريع سياسية قابلة للحوار، لا الفرض أو التبعية. ومع ذلك، لم يجدوا من غالبية شركائهم في الوطن سوى التنصّل، والتخوين، ومحاولات الإقصاء، بل وتبرير الاحتلالات الخارجية لمناطقهم.
في المقابل، الإيغور، الذين جاؤوا عبر تركيا، يُقاتلون تحت رايات إسلامية متطرفة، ويستوطنون مناطق تركّزت فيها عمليات التهجير القسري للعلويين والكورد والإسماعيليين. ومع ذلك، نادراً ما نسمع عن خطرهم على "الوحدة الوطنية" أو "السيادة السورية".
منطق المصالح أم أيديولوجيا العمى؟
لا شك أن جزءاً من هذا التناقض يمكن فهمه في سياق التحالفات الإقليمية. فتركيا، حليفة فصائل المعارضة المسلحة، ساندت الإيغور ومرّرتهم إلى إدلب، بينما ترى في الكورد تهديداً لحدودها. وبما أن كثيراً من الفصائل وقعت في فخ التبعية لأنقرة، انعكست هذه الحسابات على مواقفها. لكن الأكثر خطورة هو أن تُصبح هذه الحسابات هي وعي السوري العادي، الذي بات يبتلع روايات الدولة أو المحاور الإقليمية دون مساءلة.
نحو خطاب وطني حقيقي
آن الأوان لمراجعة جذرية للمفاهيم. الوطنية لا تُقاس بالعرق، ولا الانتماء يُحدّد عبر الجغرافيا الطارئة أو الشعارات المعلّبة. من عاش على هذه الأرض، وناضل لأجلها، وسعى لإحقاق الحقوق والحريات فيها، هو الأجدر بالثقة. لا يمكن بناء سوريا المستقبل دون الاعتراف الكامل بالشعب الكوردي شريكاً أصيلاً، ودون مراجعة سياسات الإنكار والتهميش.
إن إقصاء الكورد، وشيطنة مشروعهم، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الشرذمة والارتهان، فيما سيُبقي التسامح مع جماعات عابرة للحدود خنجراً في خاصرة الوطن.



