اليوم، يقف أكثر من مئة ألف نازح عراقي على حدود الحقّ والحرمان، لا تفصلهم عن صندوق الاقتراع سوى ورقةٍ رسميةٍ قالت عنهم إنهم «ليسوا نازحين». هكذا ببساطة، تُسقط وزارة الهجرة والمهجرين صفة النزوح عن الذين يعيشون خارج أسوار المخيمات، وكأنّ الخيمة وحدها هي التي تمنح الإنسان اعترافاً بمعاناته، أو تضع ختم الشرعية على جرحه المفتوح منذ سنين.
وبما أنّ المفوضية العليا للانتخابات تستند في بياناتها إلى ما تقرره الوزارة، فإنّ النتيجة تأتي قاسية: نحو 110.500 ناخب يعيشون اليوم في إقليم كوردستان، يُطلب منهم أن يشقّوا طريقهم الطويل من أربيل ودهوك وزاخو إلى سنجار للإدلاء بأصواتهم. رحلة أشبه بالمستحيل؛ فالمسافات بعيدة، والطرق وعرة، ووسائل النقل محدودة، والظروف الأمنية والاقتصادية لا تشجّع على مغامرة كهذه. هؤلاء المواطنون – الذين عانوا من التهجير والقصف والنزوح – يجدون أنفسهم اليوم مهددين بفقدان حقهم الدستوري في المشاركة السياسية، لا لأنهم رفضوا الانتخاب، بل لأنّ الدولة قرّرت ببساطة أنّهم لم يعودوا "نازحين بما يكفي".
أما من بقي داخل المخيمات، وعددهم يقارب 26.500 نازح، فسيُسمح لهم بالتصويت داخل المخيمات نفسها، في مشهد يعيد رسم الحدود بين المواطن والمُهَجَّر بورقةٍ لا أكثر. لكنّ المشكلة لا تنتهي هنا؛ إذ تشير البيانات إلى أنّ نحو 6000 شخص من هؤلاء قد عادوا إلى مناطقهم الأصلية في سنجار، فشملتهم عملية "شطر العوائل"، أي تقسيمها بين من بقي في المخيم ومن عاد إلى المدينة. هؤلاء العائدون لا يستطيعون بدورهم الرجوع إلى مخيمات الإقليم للتصويت، إذ كيف يعود النازح إلى نزوحه القديم من أجل ممارسة حقه الانتخابي؟
بهذا الشكل، تصبح المشاركة السياسية مجرّد حلم بعيد المنال، وتتحول الديمقراطية إلى معادلة ناقصة. فالدولة التي عجزت عن حمايتهم من النزوح، تعجز اليوم عن حمايتهم من الإقصاء. وبين قرارات إدارية جامدة ومصائر بشرية متروكة للصدفة، يضيع صوت النازح كما ضاعت من قبله أرضه وبيته ومدرسته وطمأنينته.
إنّ مأساة هؤلاء ليست في فقدان بطاقةٍ انتخابية، بل في فقدان الاعتراف الإنساني. فالنازح، سواء عاش في خيمةٍ أو بيتٍ مستأجر، يبقى نازحاً ما دام لم يعد إلى أرضه آمناً. المشكلة ليست في المكان، بل في الإحساس الدائم بعدم الانتماء، في العيون التي تنظر إليه وكأنه عابر طريقٍ لا عنوان له.
من حقّ كلّ إنسان أن يشارك في تقرير مصير بلده، ومن واجب الدولة أن تهيّئ له الوسيلة لذلك. فالديمقراطية لا تكتمل إذا استُبعد منها أكثر الفئات حاجةً إلى صوتها. ومن المؤسف أن يتحوّل التعريف الإداري للنزوح إلى جدارٍ يعزل الناس عن صناديقهم، وكأنّ المسافة بين أربيل وسنجار ليست سوى رقمٍ في جدول إحصائي، بينما هي في الحقيقة مسافة بين الإقرار والإنكار، بين المواطنة والتهميش، بين الوجود والنسيان.
إنها مأساة صامتة جديدة، عنوانها: النازحون خارج المخيمات… خارج الحسابات.



