في استطلاع هو الأول من نوعه تجريه مجلة العربي الكويتية الواسعة الانتشار حول كوردستان العراق أجري في شهر كانون الثاني/ ينايرعام 1971م بُعيد اتفاقية 11 آذار الخالدة التي أبرمها طيب الذكر الزعيم الكوردي ملا مصطفى البارزاني مع الحكومة العراقية في عام 1970م، سألت مجلة العربي الزعيم الكوردي في عرينه (مقره) في كلاله (قصبة كوردية تابعة لقضاء جومان شمال شرق كورستان العراق – على طريق هاملتون الاستراتيجي)، عن حقيقة أصل الكورد وعن ما يقوله بعض المؤرخين من أنهم أي الكورد ــ من نسل الجن ــ.
فأجابه متأففاً: "إن ما كتب إلى الآن عن حقيقة الكورد، لا يمثل إلا عشرة في المائة من الحقيقة، إن كل من أمسك قلماً يمكنه الكتابة، وهو قد يكتب طيباً أو سيئاً، إن الذين يكتبونه ليس وحياً نازلاً من السماء، وإنما هو من وحي مخيلتهم المريضة، إن الكاتب مثل الجبال مثلما قلت لك ــ والوديان المحيطة بنا، شاهقة ومنخفضة، أما إذا كان يهمكم معرفة أصلنا فاكتب إن الكوردي بشر وإنسان، من نسل آدم وحواء، واذكر قوله تعالى ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم))، [سورة الحجرات، الآية 13]، ويتذكر الزعيم الكوردي شيئاً فيعود ويقول متعجباً: أما القول بأننا من - نسل الجن ــ فهذا دليل على أن العقل البشري قاصر، إن الذي خلقنا يعرف ماهيتنا...إلخ".
إن الزعيم البارزاني في رده على من يقولون إن الكورد من نسل الجن ينم عن فهم طبيعة الأمور وسنن الله في الكون والحياة، وكان طيب الذكر متأففاً ومتضجراً إلى حدٍّ بعيد لأن هذه النظرية قد انطلت على الكثير من الكتاب العرب والفرس (وحتى على المؤرخ الكوردي: شرفخان البدليسي صاحب الشرفنامه، التي أدرجها في كتابه بدون تعليق).
ورغم دراية هؤلاء العلماء والمؤرخين بأن الله قد خلق جميع البشر من نسل آدم وحواء (كلكم لآدم وآدم من تراب)، ولكنه لأسباب في نفس يعقوب والقفز على الواقع ومحاولة اجترار آراء خرافية ونظريات أسطورية، ومحاولة السير باتجاه نظريات الأصل الآري التي جاء بها الفلاسفة الألمان في القرن التاسع عشر والادعاء بأن الجنس الآري أفضل الأجناس وأن البقاء للجنس الأقوى! حسب الفيلسوف الألماني نيتشه.
ورغم انتماء الكورد للجنس الآري، إلا أن هذا لا يلغي تلك المقولة الساذجة والسخيفة القائلة إن الكورد تحديداً هم من أصل عربي وفارسي وتركي، وإنهم خلقوا من الجن ومن إماء سليمان حين وقع عليهن الشيطان!.
إن هذه النظريات غير العلمية وغير الواقعية لم تكن ولن تكون وحياً نازلاً من السماء على حد تعبير البارزاني الخالد، لذا كان رده علمياً ومنطقياً في آن واحد، وكان حجراً من أحجار كوردستان الصماء ألقم بها أفواه هؤلاء النازيين الجدد الذين يعتبرون الكورد أقل حضارة ومدنية؟، ولا يستحقون أن يكون لهم الكينونة والذاتية لتسيير أمورهم بأنفسهم وأنهم حاشاهم كالمعتوه الذي يوكل أمره إلى غيره، لذا وكل أمرنا مرةً إلى العرب ومرةً إلى الفرس وأخيراً إلى الترك.
وباعتقادي فإن المستعمرين البريطانيين والفرنسيين كانوا السبب فيما وصل إليه الأمر، إذ لو أقاموا كياناً أو دولة كوردية على غرار دول الأقوام الأخرى بعيد اتفاقية سايكس بيكو السيئة الصيت لما وصل الأمر إلى ما هو عليه الآن.
ولم يدر بخلد هؤلاء المؤرخين أن الكورد كانوا لا يقلون أصالة وحضارة ًعن الآخرين، حتى أن الموجة الثانية للبشرية انتشرت من كوردستان إلى باقي أنحاء العالم، دليل ذلك قوله تعالى: ((وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين))، [سورة المؤمنون، الآية 29]، وكذلك قوله تعالى: ((واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين))، [سورة هود،الآية44].
ويتفق باحثوا التاريخ القديم على أن زمن ظهور نبي الله نوح (عليه السلام) كان في بداية الألف الرابع قبل الميلاد، أي قبل ظهور نبي الله ابراهيم (عليه السلام) بألف سنة تقريباً وفقاً للمصادر الكتابية، أي بعبارة أخرى أن الكورد يسبقون جيرانهم من الناحية الزمنية والحضارية، لأن الحضارة نشأت في سفوح جبال الجودي مثلما ذكر القرآن الكريم والكتاب المقدس وتحديداً التوراة، وهذا الجبل يقع في قلب كوردستان شمال جزيرة بوتان (مدينة الجزيرة - كوردستان تركيا) مقابل مدينة زاخو في كوردستان العراق.
ويبدو للباحث أن هذه النظريات اقتبسها المؤرخون العرب من الفرس ودونوها على أنها مرويات إسلامية! لا يجوز فحصها أو محاكمتها كأنها وحي مقدس؟
يقول أحمد بن حنبل المتوفى سنة241هـ، إمام أهل السنة الجماعة بهذا الصدد ثلاثة لا أصل لها: "الملاحم والمغازي والتفاسير"، وهذه المقولات الزائفة تندرج تحت طائلة إحدى هذه الأقسام وتحديداً الملاحم والتنبؤات التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي ذكرها الإمام أحمد آنفاً.
إن مهمة المؤرخين الذين يتصدون لكتابة تاريخ الشعب الكوردي أن لا يألون هذه النصوص التاريخية المزيفة: القداسة والعصمة!، فهي نصوص بشرية يعتريها الضعف والتعصب والذاتية ولا تقع تحت طائلة الحلال والحرام أو مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإنما هي آراء بشرية تحاول لي النصوص التاريخية بما يتوافق مع ما يؤمنون به، أو محاولة أدلجتها وإضفاء طابع العلم والمنهجية عليها، وهذا ينطبق إلى حد كبير على النظريات الفارسية والتركية حول أصل الكورد.
ومهما يكن من أمر فإن الباحث لا يستطيع أن يخمن منبع هذه الروايات أو على أقل تقدير مؤسسها، ولكن من خلال البحث تبين أنها ترجع إلى بداية القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي حينما جاءت أولى الروايات في كتاب (الكافي) لمحد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة 329هـ/939م وكتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) للمؤرخ المسعودي المتوفى سنة 346هـ/ 956م والذين جاؤوا بعده نسجوا على منواله هذه الروايات التي شوهت تاريخ شعبنا الكوردي في العصور الإسلامية وجعلتها متراكماً معرفياً كان لها الأثر السيء في التاريخ الحديث المعاصر للشعب الكوردي حيث نلاحظه من خلال اتهام الكورد بكل أوصاف التعصب والشوفينية وتهديد وحدة البلدان التي يتواجدون فيها، كأن الجغرافية السياسية لهذه البلدان كانت قد نزلت بشأنها نصوص مقدسة قطعية الثبوت والدلالة.
ألا ليعلم هؤلاء بأن ذاك الزمن قد ولى، وأن هذا العصر هو عصر العلم والمعرفة والمنهجية وإثبات الذات وتحصينها من الخرافة والجهل والنظريات الأسطورية، والغريب أن بعض هذه الروايات تجد لها موطئ قدم في بعض الكتب الدينية والتراثية كمحاولة إطفاء طابع القداسة عليها، بواسطة إيجاد روايات تنتهي إلى الأئمة الاثني عشر.
ويبدو أن هذه الخرافات والأساطير تجد لها سوقاً رائجة كلما دنا الكورد من الحصول على حقوقهم التي أقرتها لهم الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، حيث يتهمون جزافاً بأن أصولهم ترجع إلى الفرس أو العرب أو أنهم من أتراك الجبال، أي بعبارة أخرى أن هناك علاقة طردية يمكن أن نلخصها في المعادلة الآتية: حصول الكورد على حقوقهم = اعتبار الكورد من نسل الجن.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



