دافع دونالد ترمب عن قرار سحب قوات بلاده من كوردستان سوريا ومن سوريا، بأن من واجب المرء أن يلتزم بما تعهد به لناخبيه، خاصة وأن شهر تشرين الأول القادم سيشهد انتخابات مجلس الشيوخ (الكونغرس). وعندما طلب ترمب اتخاذ الاستعدادات للانسحاب من سوريا، فإنه كان يعتقد بأن من واجب دول المنطقة أن تتولى بنفسها حفظ الاستقرار في سوريا والمنطقة، خاصة بعد هزيمة داعش وانتفاء الحاجة إلى إنفاق المزيد من الأموال الأمريكية، التي يجب أن تكرس لتعزيز مكانة أمريكا وارتقائها.
بهذا أراد دونالد ترمب استرضاء الساخطين من ناخبيه داخل الولايات المتحدة الأمريكية والحليفة المنزعجة (تركيا). في الواقع، ليست دول المنطقة مستعدة لنشر قواتها في المناطق السورية التي ترعاها وتراقبها أمريكا، لكن تركيا لديها الرغبة في ذلك، لأن ذلك يساعد في تحقيق الرغبة التركية في القضاء على سلطة الحكم المحلي الديمقراطي التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وتحقيق ما يعرف بطريق أوفاكيو (كورافا)، وقد صرح سفير تركيا لدى بغداد، الأسبوع الماضي، بأن: الاستفتاء أثبت حقيقة مفادها أن على تركيا أن تضمن لنفسها طريقاً برياً يربطها مع الحكومة العراقية مباشرة.
الاتصالات الكثيرة التي يجريها الرئيس الأمريكي مع الرئيس الفرنسي، انطلاقاً من كون فرنسا واحدة من الدولتين الرئيستين في الاتحاد الأوروبي، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، وكونها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، إنما تشير حسب بعض التحليلات إلى مسعى أمريكي لمنح فرنسا دوراً أكبر في سوريا عندما تنسحب أمريكا منها، تماماً مثلما تفسر الزيارات المتكررة والمثيرة للسفير البريطاني في إيران، نيكولاس هوبتن، إلى العراق على أنها دليل على رغبة أمريكية لمنح دور أكبر ليريطانيا في العراق. وبرغم كل ما يقال، هناك الآن نوع من حوار سري وغير مباشر بين أمريكا وإيران، ليس أي من الطرفين مستعداً للإقرار بأنه يجري.
تفيد المعلومات، بأن الرئيس الأمريكي وافق، بعد الاجتماعات الأمنية والعسكرية الأمريكية الأخيرة، على بقاء قوات بلاده ستة أشهر أخرى في كوردستان سوريا وشمال سوريا. والانتخابات العراقية ستجري خلال تلك الفترة، وهي انتخابات هامة لتقييم الوضع الأمني وتحديد مستقبل العراقيين، كما أن لها تبعات إقليمية كبرى، خاصة وأن قوى إقليمية تراهن على خروج العراق من دائرة النفوذ الإيراني أو إضعاف ذلك النفوذ لدرجة تقطع الطريق البري السريع الذي يربط إيران بكل من سوريا ولبنان. كل هذه التوقعات مستبعد، لكن التوقع الأقرب للتحقيق هو تشكيل حكومة شبيهة بالحكومة الحالية، في حال لم تؤد الصراعات السياسية الحالية، وتلك التي ستظهر مع بدء الحملات الانتخابية وعند تشكيل الحكومة الجديدة في ظل زيادة حضور السلاح والفصائل المسلحة في العراق، إلى حرب أهلية جديدة في العراق.
بهذه الصورة، نجد أن أمام الوضع في كوردستان سوريا فرصة وحيدة، والحل الحاسم للأزمة السورية لا يلوح في الأفق، لأن الوضع القائم في سوريا ليس بثورة ولا حرباً أهلية، بل هو أزمة وحرب دولية ليس من السهل حسمها، لذا فإن الأطراف المتواجدة على الساحة السورية ستكون ذكية إذا ما نجحت في البقاء لحين انتهاء الأزمة.
تجربة إقليم كوردستان، خلال الفترة الممتدة من العام 1991 حتى العام 2003، نموذج ذو أهمية، فالوضع في العراق لم يحسم طوال تلك الفترة، ومع وصول الديمقراطيين إلى السلطة في الولايات المتحدة اقترب نظام صدام من فرض بقائه والعودة إلى صفوف المجتمع الدولي، لكن الذين كانوا يتولون السلطة في إقليم كوردستان استطاعوا رغم ذلك الحفاظ على هذه السلطة.
إن تكرار تلك التجربة في كوردستان سوريا بحاجة إلى إعادة تفكير وتغيير الأسس التي تقوم عليها السلطة هناك، بحيث تكون موضع ترحيب القوى العظمى ولا تثير حفيظة القوى المجاورة. إن الصيغة التي وضعت حسب اتفاقَي أربيل ودهوك، يمكن أن تكون حلاً مناسباً للبدء على عجل بتلك المرحلة وحماية إقليم ذي نفوذ كوردي في كوردستان سوريا، في حين ليس الانفصال وإقامة دولة كوردستان شعاراً ولا هدفاً معلناً للأحزاب الكوردية، وإذا كان بإمكان فصائل من قبيل جيش الإسلام في الغوطة الشرقية التفاوض مع روسيا وسوريا وتركيا للعثور على مكان لها فلماذا لا تستطيع الأحزاب الكوردية ذلك وهي على أرضها.
وفي هذا الاتجاه، كانت كلمات خبير أمريكي مطلع لافتة للنظر، حين قال: "قالت أمريكا لكورد سوريا (يقصد حزب الاتحاد الديمقراطي) يجب أن تكون لكم علاقات، وأن تتأقلموا مع جيرانكم بما في ذلك إقليم كوردستان وتركيا".
وقال أيضاً: "نحن نعلم بأن كورد سوريا (هنا أيضاً يقصد حزب الاتحاد الديمقراطي) شيوعيون سابقون، وأن خلفيتهم تلك تجعلهم يتطلعون دائماً صوب روسيا".
هاتان العبارتان تستحقان التوقف عندهما كثيراً، وخاصة من قبل أحزاب كوردستان سوريا، قبل أن تضيع الفرصة تماماً. وقد تناهى إلى مسامعي في مرات كثيرة قول خبراء وأشخاص اختلطوا بالإدارة الأمريكية السابقة، إن "على الكورد الذين يسيطرون على شرق الفرات في سوريا أن يعززوا علاقاتهم مع البارزاني، ليتمكنوا من خلال ذلك من إنشاء علاقات لا بأس بها مع تركيا". لكن المؤسف أن ذلك لم يلق أذناً صاغية، وكان بعض أحزاب إقليم كوردستان، ولأسباب حزبية لا غير، مشجعاً على عدم الالتفات إلى تلك الآراء، وهكذا لم تتمكن كوردستان سوريا من بناء دعم سياسي داخلي لها في كوردستان سوريا كما لم تتمكن من إقامة علاقات طبيعية مع المحيطين بها.
والآن، ترتبط كافة القوى في المنطقة ببعضها البعض بعلاقات معلنة أو غير معلنة، لأن من غير الممكن أن تخوض دولة ما حرباً ضد الجميع، وهذا ما يحتم على الكرد، خدمة لمصالحهم، أن يتفقوا ويعملوا معاً في الداخل، ويرتبطوا بحوار مع المحيطين بهم ومع القوى الإقليمية.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



