تتردد في الآونة الأخيرة أنباء عن احتمال تخلي حزب العمال الكوردستاني (PKK) عن الكفاح المسلح، وربما حتى حلّ الحزب، وذلك في أعقاب مؤتمره الأخير. وإذا ما تحققت هذه الخطوة، فإنها ستشكل تحولاً جوهرياً في مسار الصراع الكوردي داخل تركيا وخارجها.
لقد كان من المفترض أن تُتخذ هذه الخطوة منذ سنوات، وتحديداً عندما حقق الكورد اختراقاً سياسياً مهماً من خلال حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، الذي حصل على 80 مقعداً في انتخابات شهر حزيران من عام 2015، متجاوزاً العتبة الانتخابية البالغة 10% لأول مرة، مما مكّنه من دخول البرلمان بقوة. كانت الفرصة حينها سانحة ليكون الكورد شركاء حقيقيين في الحكم، لولا رفض الحزب الدخول في تحالف حكومي مع حزب العدالة والتنمية، لأسباب يعرفها الجميع، الأمر الذي أدى إلى إعادة الانتخابات في شهر تشرين الثاني من العام نفسه، وتراجع تمثيل الحزب إلى 59 مقعداً.
إن النضال من أجل الحقوق القومية، حين يكون ممكناً ضمن الأطر الديمقراطية وتحت قبة البرلمان، يفقد الكفاح المسلح مبررات استمراره. ففي عصر تتجه فيه الدول نحو التسويات السلمية والحلول السياسية، يصبح التخلي عن السلاح – إن تم بالفعل – خطوة تاريخية تتماشى مع التحولات الكبرى في المنطقة، وقد تُسهم في إعادة تموضع القضية الكوردية ضمن إطارها المدني والسياسي.
ولا يمكن النظر إلى هذا التحول المحتمل بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تواجه القضايا الكوردية في كل من سوريا والعراق وإيران مسارات متباينة، تتراوح بين الفيدرالية والمطالبة بلا مركزية الحكم، والصراع الدموي، والتهميش السياسي. وإذا ما قرر حزب العمال الكوردستاني فعلاً التخلي عن السلاح، فإن هذه الخطوة ستعيد ترتيب الأوراق، وتفرض مقاربة جديدة على الفاعلين المحليين والدوليين، بما في ذلك الحكومات التي اعتادت على التعامل مع القضية الكوردية من منظور أمني بحت، دون التطرق إلى جذورها السياسية والاجتماعية.
كما أن استمرار حزب العمال الكوردستاني في النهج العسكري خلال السنوات الماضية ألقى بظلاله الثقيلة على فرص حزب الشعوب الديمقراطي (وما تلاه من أحزاب بتسميات أخرى بسبب الحظر والمنع) في توسيع قاعدته الشعبية، وقيّد قدرته على التحرك بحرية داخل المشهد السياسي التركي. إذ طالما وُوجه الحزب باتهامات تتعلق بصلاته مع حزب العمال، وهو ما استُخدم كذريعة لحملات سياسية وأمنية ضده، طالت قياداته ونوابه في البرلمان. لذلك، فإن أي خطوة باتجاه الفصل النهائي بين المسار المسلح والعمل السياسي قد تفتح الباب أمام استعادة المبادرة المدنية الكوردية، وتعزيز حضورها في الحياة العامة.
وإذا ما تمّت هذه المبادرة، فإنها ستكون بمثابة دعوة صريحة لشعوب المنطقة – كورداً، فرساً، عرباً وتركاً – لطي صفحة العنف واعتماد لغة الحوار والتفاهم، من أجل بناء نموذج حضاري يعزز الديمقراطية، ويحترم التنوّع، ويكرّس ثقافة التعايش، ويضع حداً لعقود من الاقتتال والمعاناة.
ختاماً، فإن نهاية مرحلة العسكرة، وعودة الحركة الكوردية إلى هويتها السياسية والمدنية، لن تكون مكسباً للشعب الكوردي وحده، بل خطوة ضرورية لإطلاق مسار سلام حقيقي في المنطقة، يؤسس لمستقبل يليق بأحلام شعوبها في الحرية والعدالة والمساواة.



