العراق بلدٌ لم يعرف الاستقرار منذ عقود، فالعنف السياسي ليس مجرد حدث طارئ في تاريخه، بل هو حالة مستمرة تفرزها الفواعل السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتشابكة. منذ الانقلابات العسكرية التي رسمت ملامح الحكم في منتصف القرن العشرين، مروراً بالاستبداد البعثي الذي حكم بالقبضة الحديدية، وصولاً إلى الاحتلال الأميركي وما تبعه من انهيار الدولة، كل هذه التحولات لم تكن سوى مراحل متعاقبة من التوتر الذي انفجر في أشكال مختلفة، من القمع السياسي إلى الإرهاب الطائفي، ومن المواجهات المسلحة إلى الاغتيالات المنظمة.
لكن العنف في العراق لا يمكن فهمه بعيداً عن طبيعة المجتمع نفسه، الذي كان منذ تأسيس الدولة الحديثة عام 1921 مجتمعاً منقسماً بطبيعته. لقد أشار الملك فيصل الأول في مذكراته إلى هذا التناقض عندما وصف العراقيين بأنهم "شعب متنافر، تسيطر عليه الهويات الفرعية أكثر من ولائه للدولة". كانت هذه الملاحظة المبكرة بمثابة تشخيص عميق لمشكلة العراق المزمنة، حيث لم تتبلور هوية وطنية جامعة تستطيع أن تتجاوز الانتماءات الطائفية والعرقية والعشائرية، مما جعل التعايش السلمي أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى حالة طبيعية دائمة.
في عهد البعث، كان العنف أداة للحكم، حيث أصبحت التصفيات السياسية أمراً معتاداً في المشهد العراقي. قُمع المعارضون بلا رحمة، وشهدت البلاد عمليات إعدام جماعية شملت كل من يشتبه في ولائه لجماعات سياسية معارضة. كان الشعار السائد أن الدولة وحدها تحتكر القوة، وأي تحدٍّ لهذا الاحتكار يعني الموت المحتوم. مع ذلك، لم يكن هذا الاستبداد كافياً لحماية النظام، فبمجرد أن دخلت القوات الأميركية بغداد في 2003، انهار كل شيء بسرعة لم يتوقعها حتى أشد المعارضين لصدام حسين. بدا أن العراق لم يكن دولة بالمعنى المؤسساتي، بل كان نظاماً يعتمد على الخوف والقوة، وما إن زالت الهيمنة حتى تفككت أركانه.
حين سقط النظام، لم يكن العراق مستعداً لمرحلة جديدة، بل أصبح ساحة لتصفية الحسابات. قرار حل الجيش الذي أصدره الحاكم الأميركي بول بريمر كان بمنزلة إطلاق رصاصة الرحمة على ما تبقى من سلطة الدولة، حيث ترك مئات الآلاف من العسكريين دون وظائف، وهو ما دفع كثيرين إلى أحضان التمرد المسلح، سواء تحت راية البعثيين السابقين أو الجماعات الجهادية التي كانت تتربص لاستغلال الفراغ. هنا بدأ التحول الحقيقي نحو صعود الإرهاب، حيث وجد تنظيم القاعدة أرضاً خصبة للتوسع، متغذياً على شعور الإقصاء والرغبة في الانتقام.
لكن أحد العوامل التي أسهمت في تكريس العنف في العراق كان فقدان الحوار المتواصل بين المكونات العراقية، حيث لم يكن هناك مجال للنقاش المفتوح حول الهويات المتعددة، بل كان كل طرف ينظر إلى الآخر من زاوية الشك والريبة. هذا الإرث من عدم الثقة أصبح جزءاً من الثقافة العراقية، حيث تميل العلاقات الاجتماعية والسياسية إلى التشكيك أكثر من التفاهم. أي خلاف بسيط يمكن أن يتحول إلى أزمة هوية، وأي انتقاد يمكن أن يُفسَّر على أنه طعن في الوجود الوطني نفسه. يظهر هذا السلوك بوضوح عند أول انفعال، حيث يكون الرد الفوري هو اتهام الآخر بأنه "معارض للدولة"، أو حتى "خائن للجغرافية"، وكأن أي اختلاف في الرأي هو تهديد وجودي وليس مجرد تنوع طبيعي في الأفكار.
هذه الازدواجية في الهوية لا تقتصر على الطبقات الشعبية فقط، بل تمتد إلى من يُفترض أنهم النخبة أو الفئات المتخصصة. فالذين يتحدثون عن الدولة المدنية، تجدهم في أول فرصة يهرعون إلى الطائفة أو العشيرة طلباً للحماية. والذين يرفعون شعار الفكر النقدي، يتراجعون عند أول اختبار حقيقي، مفضلين المداهنة على المواجهة الفكرية. إنها حالة من التناقض بين ما يُقال وما يُمارس، بين الشعارات التي ترفع في المؤتمرات والخطابات، وبين السلوكيات التي تحكم القرارات والتصرفات اليومية.
عن العنف. حزب البعث، الذي حكم لعقود بشعار "الوحدة، الحرية، الاشتراكية"، لم يتوانَ عن استخدام القوة للحفاظ على قبضته، سواء في قمع الكورد في الأنفال، أو في تصفية معارضيه داخل الحزب ذاته، أو في قمع الانتفاضة الشيعية وإعدام رموزها. فبعد انتفاضة عام 1991، واجه الجنوب العراقي عمليات قمع وحشية، حيث قامت القوات البعثية بإعدام الآلاف من المعارضين الشيعة، ودفنهم في مقابر جماعية، فضلاً عن تدمير المدن والقرى التي شهدت احتجاجات. لم يكن استهداف الشيعة مقتصراً على الانتفاضة وحدها، بل كان نهجاً سياسياً طويل الأمد، حيث جرى التضييق على الحوزة العلمية في النجف، ومحاصرة رجال الدين المعارضين.
كما استهدف حزب البعث جزء مهم من النسيج العراقي (الكورد الفيليين)، فتم تهجير عشرات الآلاف منهم قسراً إلى إيران في السبعينيات والثمانينيات، بحجة أنهم من أصول غير عراقية. لم يقتصر الأمر على التهجير، بل صودرت أموالهم المنقولة وغير المنقولة، وأُسقطت جنسيتهم العراقية، في واحدة من أكبر عمليات التطهير العرقي والاقتصادي التي شهدها العراق خلال حكم البعث. كثير منهم اختفوا قسراً في السجون العراقية، ولم يُعرف مصيرهم حتى اليوم، بينما وجد البقية أنفسهم في مخيمات اللجوء على الحدود الإيرانية، بلا وطن ولا حقوق.
بعد سقوط النظام، لم يجد البعثيون حليفاً سوى الجماعات التكفيرية، حيث تحالف بعض قادتهم السابقين مع تنظيمات إرهابية مثل داعش، ليس من منطلق ديني، بل من باب "عدو عدوي صديقي". وهكذا، اختلطت الأيديولوجيات، وأصبح القوميون والبعثيون يقاتلون تحت رايات إسلامية متشددة، رغم أنهم كانوا بالأمس يسخرون من هذه الأفكار. هذا التحالف لم يكن قائماً على القناعة العقائدية، بل كان مصلحة عسكرية وسياسية، حيث استغل البعثيون البنية العسكرية والتنظيمية التي امتلكوها خلال حكمهم، وقدموا خبراتهم الأمنية والاستخباراتية لداعش، مقابل الحصول على نفوذ داخل المناطق التي سيطر عليها التنظيم.
لقد أدى هذا التداخل بين القومية المتطرفة والفكر الجهادي التكفيري إلى خلق بيئة من العنف العشوائي والمنهجي في آن واحد، حيث لم يعد الهدف بناء دولة أو تحقيق مشروع سياسي واضح، بل تحويل العراق إلى ساحة صراع مستمر، تحكمه التحالفات المؤقتة والمصالح المتغيرة.
كل هذه العوامل، من السياسة إلى الاقتصاد إلى الثقافة، اجتمعت لترسم صورة عراق اليوم: بلد يعاني من انقسامات داخلية عميقة، حيث لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين الحكومة والجماعات المسلحة، بل أصبح جزءاً من نسيج المجتمع ذاته.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن للعراق أن يخرج من هذه الحلقة المفرغة؟
يبدو أن الإجابة ليست سهلة، لكن الخطوة الأولى يجب أن تبدأ بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، يكون الدستور والقانون فيها المرجعية الوحيدة، لا الطائفة ولا الحزب ولا السلاح.
تحتاج البلاد إلى:
1- إصلاح اقتصادي حقيقي يوفر فرصاً للشباب.
2- نظام تعليمي يعزز التفكير النقدي بدلاً من التلقين.
3- فضاء سياسي مفتوح يسمح لكل الأفكار أن تتصارع في العقول، لا في الشوارع.
وإلا، فإن العراق سيبقى عالقاً في دوامة العنف، التي لا نهاية لها إلا بإرادة حقيقية للتغيير.



