يمثل الاتفاق المكون من 8 نقاط بين سوريا وقسد تحولاً تاريخياً هاماً في سوريا الجديدة. بلا شك، من الناحية النظرية، قد تكون المكاسب التي قد يحققها الكورد من خلال هذا الاتفاق أقل مما كان يمكن أن يحدث منذ عام 2011، ولكن بالنسبة للظروف الحالية، يبدو الأمر وكأنه لعبة رابحة، حيث إنها المرة الأولى التي تعترف فيها سلطة سورية في التاريخ الحديث بهوية الكورد ومشاركتهم السياسية والعسكرية.
بالنسبة للجولاني أيضاً، يمثل الاتفاق فوزاً، لأنه يمكنه الآن مواجهة العقبات الأخرى التي تواجهه براحة أكبر، بالإضافة إلى الاتفاق على سيادة سوريا على المفاصل الرئيسية في المناطق الخاضعة لسيطرة قسد، والتي كان من المحتمل أن تنشب بسببها حرب في السابق. على الأرجح، بعد أحداث الأيام القليلة الماضية في المناطق الساحلية السورية التي قُتل فيها المئات، فضلاً عن احتمال تعزيز الجماعات الإسلامية المتطرفة، لا ترغب معظم الدول في أن تكون سلطة سوريا بقيادة أحمد الشرع مركزية. في الوقت نفسه، بالنسبة لمظلوم عبدي، وبعد رسالة أوجلان، والوضع المتغير في سوريا، والضغط الأميركي والدولي، يمثل الاتفاق الخيار الأفضل.
تعتبر النقطتان الأولى والسابعة من الاتفاق نقاطاً عامة وقد توجد عبارات وجمل مماثلة في معظم الاتفاقات المماثلة. في النقطة الثانية، يمثل ذكر الكورد كمجتمع أصيل في الدولة السورية تحولين مهمين: أولهما يتعارض مع سلوك النظام السابق الذي كان ينظر إلى جزء كبير من الكورد على أنهم مهاجرون ولم يمنحهم حتى هوية المواطنة، فقد ذكرهم كشعب أصيل يحق لهم الحصول على الجنسية. بالإضافة إلى ذلك، فقد ذكرهم كمجتمع يمكن أن يكون اعترافاً وخلفية للمحادثات المستقبلية بين الجانبين حول الحقوق العامة للكورد، بالإضافة إلى الحق الذي يتمتعون به كأفراد - مواطنين. ثانيهما هو أنه في نفس المادة وفي كامل نص الاتفاقية أيضاً، والذي تم طباعته، باستثناء خط يد الجولاني، تم استخدام عبارة "الدولة السورية" فقط، وليس "الجمهورية العربية السورية".
على الرغم من أن الولايات المتحدة والتحالف الدولي، اللذين يحتاجان إلى الإبقاء على المسلحين للقتال ضد الإرهاب، يبدوان كمهندسين للاتفاق، إلا أن النقطتين الثالثة والخامسة من الاتفاقية تكشفان أن تركيا كانت طرفاً في ذلك أيضاً. لأن الجولاني نفسه يعرف جيداً أنه بدون موافقة تركيا، من الصعب عليه الوفاء بوعد وقف القتال حول سد تشرين وقرة قوزاق، والذي يدور منذ كانون الأول 2024 بين قسد والجماعات الموالية لتركيا. بالإضافة إلى ذلك، فإن إعادة اللاجئين إلى أماكن مثل عفرين وسري كانيه التي احتلتها تركيا منذ عامي 2018 و 2019، تتطلب مرة أخرى موافقة أنقرة. وفقاً للمعلومات غير الرسمية المتوفرة، فقد أُجريت بعض هذه المفاوضات مباشرة بين تركيا وقسد، على الرغم من أن الأطراف قد تنفي ذلك. بموجب الاتفاق، من المتوقع أن يعود آلاف الكورد إلى ديارهم في غضون شهر واحد. على الرغم من أنه من غير الواضح مدى سهولة تنفيذ ذلك، إلا أنه في الوقت الذي نُشرت فيه العديد من التقارير حول انتهاكات حقوق الإنسان من قبل بعض الجماعات مثل حمزة وعمشات، فمن غير الواضح ما إذا كانت نفس الأنواع من الجماعات ستكون مهيمنة على المستوى المحلي عند عودة اللاجئين، أم سيتم تثبيت قوة جديدة.
إحدى أهم نقاط الاتفاقية هي المادة الرابعة من النص التي تتحدث عن دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا في إدارة الدولة. هذا يختلف عن الحديث عن الحل ويتحدث عن دمج المؤسسات، لذلك فهذا يعني أن قسد والإدارة الذاتية ستبقيان، ولكنهما ستفقدان سلطاتهما لأنهما ستخضعان لإدارة الدولة. إذا كان الاتفاق على سيطرة الدولة الكاملة وحل الإدارة الذاتية، لما تم الحديث تحديداً عن المعابر الحدودية والمطارات وآبار النفط والغاز. فيما يتعلق بقسد، يبدو أن اسمها سيتغير إلى فرقة أو أكثر من فرقة في الجيش السوري كما هو الحال بالنسبة للجماعات الأخرى، ولن يكون من الغريب بعد ذلك إذا تولى بعض قادة قسد مناصب في وزارة الدفاع السورية. هناك أيضاً حديث عن نائب وزير الدفاع، على الرغم من أنه لم يتم الإعلان عن أي شيء رسمي حتى الآن بشأن ذلك.
ربما تكون النقطة السادسة هي الدافع الرئيس للشرع للإسراع في هذا الاتفاق، والذي تم إعداد بنيته التحتية منذ كانون الأول الماضي بوساطة أميركية فرنسية ودولية، وبدعم من إقليم كوردستان. لقد شككت أحداث الأيام القليلة الماضية في المناطق الساحلية السورية من جهة، في كل القصة التي يريد المجتمع الدولي تصديقها بشأن تحول جماعة جهادية سابقة مثل هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً). إن مقتل أكثر من ألف شخص، أحيا مرة أخرى الخوف من تطرف الدولة السورية الجديدة، ويريد الشرع من خلال هذا الاتفاق مع قسد أن يوجه رسالة مفادها أنه من أهل التسوية والاتفاق. هذا بالنسبة للجولاني الذي يحتاج إلى اعتراف دولي ورفع العقوبات و 250 إلى 400 مليار دولار لإعادة بناء سوريا، هو موضوع ستراتيجي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الخوف من تحول استياء العلويين إلى اندلاع حرب داخلية طويلة الأمد أخرى، هو بمثابة شبح بالنسبة للرئيس السوري، والذي يمكن أن يؤرقه. وذلك في الوقت الذي يعد فيه مدى انهيار سلطته على الجماعات المسلحة السنية المتحالفة معه، موضوعاً يستحق الكثير من الكلام.
النقطة الثامنة من الاتفاق هي جوهر الحديث. وهي العمل على تنفيذ هذا الاتفاق بحلول نهاية هذا العام. لاشك أن هنا في الشرق الأوسط، موضوع الاتفاق على الورق شيء وكيفية تنفيذه على أرض الواقع شيء آخر! على الأرجح، في غضون أكثر من 8 أشهر القادمة، لن يقوم الطرفان فقط، بل ستقوم العديد من الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية الأخرى، بتشديد قبضتهم على بعضهم البعض، من أجل تنفيذ الاتفاق وفقاً لرغباتهم. في النهاية، فإن مدى قوة الأطراف على الأرض والتوازن الدولي، هو ما سيحدد مصيرها.



