قمّة الوداع ، أو قمّة "المضطرّين " ، تلك التي جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيريه حسن روحاني ورجب طيب اردوغان في طهران مؤخراً ، قمة لم تكن كسابقاتها ، لا من حيث الانسجام والتوافق ، ولا من حيث النتيجة التي ظهرت مفاعليها على الأرض مباشرة بعكس تلك الابتسامات أمام عدسات المصورين ، فسرعان ما قصفت الطائرات الروسية بكثافة مواقع المسلحين في اليوم التالي من هذه القمّة ، قابله رفض واستياء من السيد اردوغان !! .
لعل ما جمع قادة الدول " الضامنة" على مدار أكثر من ثلاث سنوات سوف لن يكون بعد الانتهاء من إدلب ، وستنتهي مع لحظة البدء بالهجوم العسكري لقوات الأسد وحليفه الروسي على معاقل المسلحين والفصائل العسكرية بمختلف مسمياتهم ومرجعياتهم . بمعنى آخر ، كان لمؤتمري استانة وسوتشي فترة صلاحية محددة ، متفق عليها روسياً - أمريكياً ويبدوا أنها شارفت على النهاية مع إنطلاق معركة إدلب .
معظمنا يتذكر ، أنه مع عقد أول مؤتمر في العاصمة الكازاخستانية - استانة للحلفاء الجدد ( روسيا - إيران - تركيا ) حول خفض التصعيد والتوتر في مناطق الاشتباك بين طرفي النزاع في سوريا - النظام والمعارضة ، ظهر انكماش ملحوظ في السياسة الأمريكية حيال الأزمة السورية ، وتراجع الملف السوري في سلم أولوياتها لتبدوا كأنها عازمة على الإنسحاب وترك كل مافيها لمصيره المحتوم ، أو لما يفرضه الروس وحلفائه الجدد من أجل إنهاء الأزمة ، وما عززت من هذه الشكوك ، تلك التصريحات المتناقضة بين وزارة الدفاع الأمريكية وقادتها العسكريين من جهة ، والرئيس ترامب من جهة أخرى حول انسحاب القوات الأمريكية من سوريا بعد الانتهاء من داعش . هذا التوجه والضبابية في الموقف الأمريكي فسّر في حينه ، على أنه تفويض لروسيا بإدارة الأزمة السورية بالتوافق مع قوى ودول اقليمية فاعلة تمتلك النفوذ والسيطرة على طرفي الصراع ، إلّا أن المتابع لمنحي المواقف الأمريكية وتواترها وشدتها ، يدرك تماماً ، أن ذلك التفويض لم يكن " وكالة عامة " للروس للتصرف في سوريا كما يحلوا لهم عسكرياً وسياسياً ، وإنما كانت " وكالة خاصة " بإدارة الأزمة عسكرياً فقط حتى القضاء على المسلحين وسلاحهم ، دون الغوص في فرض نموذجه في الحل على كامل الجغرافية السياسية في سوريا . كان العنوان الأبرز للسياسة الأمريكية في تلك المرحلة حيال التطورات الميدانية على الجبهات السورية كافة ، تتلخص في أنهم ليسوا معنين بكل مايدور على الأرض السورية من جزئيات ومعارك وصراع ، بقدر حفاظهم على مناطق محددة في شرق الفرات باتجاه الرقة ودير الزور وصولاً إلى التنف على الحدود العراقية لتكون منطقة نفوذ مستقبلية ، ونقطة ارتكاز في تنفيذ مشروعهم في المنطقة ، وكيفية إبعاد الإيرانيين وميليشيات حزب الله اللبناني من الحدود السورية - الإسرائيلية واخراجهم كلياً من سوريا ، والحفاظ على أمن واستقرار إسرائيل ضد التهديدات الإيرانية ..
لا يختلف اثنان ، أن الروس نجحوا إلى حد كبير في فكفكة الفصائل المسلحة وحصرها في رقعة جغرافية محددة ، عبر مصالحات وتفاهمات مشروطة ، أو تحت التهديد بالحصار والتجويع والقصف المدمّر لبلدات ومدن احتضنت المسلحين ، ونظراً لحجم التدخل التركي في الأزمة السورية ودعمها المستمر عسكرياً ولوجيستياً ومادياً لفصائل المعارضة السورية وكتائبها المسلحة ، كانت معظم المقايضات والتفاهمات تتم معها ومن خلالها على حساب مناطق كانت تعتبرها تركيا مبعث قلق وخطر على " أمنها القومي " مثل منطقة عفرين ومدينة المنبج وقبلها جرابلس الحدودية . لم تعد مسألة تحييد بعض الفصائل المسلحة التي تعتبر نفسها جزء من المعارضة السورية و توجهت إلى إدلب بارادتها ، وتقاسمت السلطة والمصير مع هيئة تحرير الشام ( جبهة النصرة ) والقاعدة وكتائب المقاتلين الاجانب من الأسيويين والشيشان والتركمانستانين غير المشمولين باتفاقيات أستانه ومدرجة على لائحة الإرهاب الدولي تعني الكثير سياسياً وعسكرياً بالنسبة لروسيا وامريكا في الآن معاً ، فقرار إنهاء أزمة إدلب عسكرياً محسوم مسبقاً ، ومتفق عليه دولياً ، والمواقف الأمريكية الاخيرة لا تحتمل التأويل أو القفز من فوقها ، فهي تؤكد ، وتبعث رسالة واضحة لحلفاء "الضرورة" ، أن المسار الحل السياسي في جنيف لا بدّ أن يبدأ وبشكل جدي ، ولا بديل عن بيانه الاول وقرار مجلس الأمن ٢٢٥٤ ومخرجات مؤتمر رياض ٢ ، ولم تعد هناك إدلب ثانية أو ثالثة ...، ولا استانه أو سوتشي . وجميع محاولات أردوغان ودعواته إلى عزل المعارضة السورية "المعتدلة" عن النصرة والقاعدة ، أو تفكيك جبهة النصرة وعزل المتشددين عنها ، ليست إلا تغطية على أخر عملية بيع ومقايضة يقوم بها في الحلقة الأخيرة من مسلسل " خفض التصعيد والتوتر " ، مقابل تأمين البعض منهم مع عوائلهم في منطقة درع الفرات وعفرين ، ليضمن بذلك الولاء والسيطرة على المقاتلين السوريين الذين قبلوا بالوصاية التركية ، وفرض واقع ديموغرافي جديد في المناطق المحاذية لحدودها .
لم يبقى أمام السيد أردوغان وفصائله السورية المسلحة من خيار ، أو وجهة أخرى يفاوض أو يقايض عليها سوى المتفق عليه ضمنياً في قمة طهران مع الرئيس بوتين وروحاني ، ونجاح ما اتفق عليه مرتبط بالدرجة الأولى بالمواقف المتجددة للإدارة الأمريكية ومدى قبولها بهذه الحلول ، المبنية على نقل ما أمكن من المقاتلين الى خاصرة القوات الأمريكية في منطقة درع الفرات وعفرين .
الخاسر الوحيد في أزمة إدلب سيكون المدنيين وما قد يتعرضون له من قصف وتهجير وتشريد جراء الحرب وحسابات الدول " الضامنة " ، والفصائل المسلحة التي أرتضت التواجد في منطقة تديرها تنظيمات مدرجة عالمياً في لوائح الإرهاب تتحمل مسؤولية أي كارثة إنسانية تحل بثلاث ملايين مدني يعيشون هناك الآن ، لطالما وضعت نفسها منذ أن تمت أول مقايضة بهم في حلب وريفها رهن حسابات ومصالح الدولة التركية، وما عليهم إلا أن يقبلوا بخطبة " الوداع " لاردوغان ، أو يدافعوا عن عقيدتهم الجهادية بجانب النصرة والقاعدة بعيدة عن مفاهيم " الثورة السورية " .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



