ما يجري اليوم في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب ليس حدثاً أمنياً عابراً، ولا نتيجة سوء تقدير ميداني، بل تعبير مكثف عن أزمة أعمق تضرب جوهر السلطة في سوريا اليوم، نحن أمام إعادة إنتاج صريحة لذهنية قديمة، ذهنية ترى في الكورد خطراً بنيوياً لا شريكاً وطنياً، وتتعامل مع وجودهم بوصفه معضلة يجب تطويقها أمنياً لا حقاً سياسياً يجب الاعتراف به.
تصريح الرئيس مسعود بارزاني حول هذه التطورات لم يكن دبلوماسياً بارداً ولا خطاب تضامن للاستهلاك الإعلامي، بل تحذيراً مباشراً من الانزلاق إلى جريمة موصوفة بالتطهير العرقي، حين يؤكد أن أي خلاف سياسي لا يمكن أن يكون مبرراً لتعريض المدنيين للخطر، فهو يذكر بحقيقة يعرفها الكورد جيداً هي أن كل الجرائم الكبرى في هذه المنطقة بدأت بذريعة الأمن وانتهت بدم الأبرياء.
الخطير في مشهد حلب أنه ليس استثناء، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة، حيث تغيرت الأنظمة وتبدلت الأسماء وسقطت شعارات وارتفعت أخرى، لكن الثابت ظل واحداً، وهي أن كل سلطة عاجزة عن بناء دولة حقيقية تختار الكورد عدواً سهلاً، وهنا يفرض نفسه السؤال المؤلم: لماذا، كلما وصل نظام جديد إلى الحكم في هذه الجغرافية، كان أول امتحان له هو الصدام مع الكورد؟.
الجواب، برأيي، لا علاقة له بمطالب الكورد، لأنها لم تتجاوز يوماً سقف الحقوق المشروعة، الاعتراف، الشراكة، والعيش بكرامة على أرض تاريخية، المشكلة تكمن في الذهنية الحاكمة، ذهنية تخاف من التعدد، وترى في أي شعب منظم وواع تهديداً وجودياً، والكورد بحكم تجربتهم الطويلة في المقاومة والتنظيم وبناء الإدارة، يشكلون كابوساً دائماً لكل سلطة تقوم على الإقصاء والعسكرة.
ومن هنا لا يمكن فصل ما يحدث اليوم في حلب عن الخلفية الفكرية والأيديولوجية لما جرى في حلب، فسياسة السلطة لا تمثل قطيعة حقيقية مع ذهنية العنف، بل انتقالها من طورها الأولي إلى طورها الرسمي، المشكلة ليست في الاسم أو المنصب، بل في العقلية التي لم تتصالح يوماً مع مفهوم الدولة الجامعة، ولا مع فكرة الشراكة الوطنية الحقيقية.
التاريخ القريب يقدم لنا دليلاً فاضحاً لا يمكن تجاهله. التنظيمات الإرهابية، من تنظيم القاعدة إلى تنظيم داعش، لم تخف يوماً كراهيتها للكورد، ليس لأن الكورد أعداء الدين، بل لأنهم كانوا السد الحقيقي في وجه مشروع الإرهاب، الكورد هزموا داعش عسكرياً، فككوا أسطورته، وأسقطوا وهم الخلافة، ولهذا السبب تحديداً، فإن الإرهاب أينما وجد يخاف من الكورد.
وهنا نصل إلى الحقيقة الأكثر إيلاماً ما يجري اليوم في حلب ضد الكورد، من حيث السلوك والممارسة، لا يختلف عن ممارسات تنظيم داعش. حصار الأحياء، استهداف المدنيين، العقاب الجماعي، وتجريم الهوية القومية كلها أساليب مارسها داعش علناً. الفرق الوحيد أن هذه الممارسات كانت ترتكب سابقاً باسم الخلافة، بينما تمارس اليوم باسم الدولة، حين يحاصر الجيش السوري أحياء مدنية، ويخضع سكانها لمنطق القمع بسبب هويتهم، فإنه يعيد إنتاج المنهج ذاته إخضاع المجتمع عبر الخوف، وكسر الإرادة بالقوة، وشرعنة العنف بذريعة الأمن.
وهنا تكمن الخطورة القصوى فحين تتصرف الدولة بعقلية التنظيم الإرهابي تسقط الفوارق الأخلاقية، وتفقد الدولة معناها الحقيقي الدولة لا تقاس برايتها ولا بخطابها، بل بسلوكها تجاه مواطنيها وأي سلطة تحاصر المدنيين بسبب انتمائهم القومي، هي سلطة فقدت شرعيتها مهما امتلكت من سلاح أو اعتراف شكلي.
تحذير الرئيس مسعود بارزاني من تحويل الخلاف السياسي إلى نزاع قومي يحمل دلالة مضاعفة فهو لا يخاطب سلطة بعينها فحسب، بل يطلق إنذاراً للمنطقة كلها اللعب بورقة القومية والكراهية هو الطريق الأسرع لتفجير المجتمعات من الداخل كما أن دعوته للأطراف الكوردية، ولاسيما قوات سوريا الديمقراطية، إلى وقف القتال واعتماد الحوار، تعبر عن مسؤولية أخلاقية واضحة الدم الكوردي ليس ورقة تفاوض، ولا وقوداً لمشاريع الآخرين.
كان يمكن للتحولات التي شهدتها سوريا أن تكون بداية مسار جديد، دولة تعترف بالكورد بوصفهم جزءاً من الحل لا عقدة يجب قمعها، لكن ما نراه اليوم يوحي بأن بعض من وصلوا إلى السلطة لم يغادروا ذهنية التنظيم، بل حملوها معهم إلى مؤسسات الدولة، وبدلوا الرايات دون أن يبدلوا العقلية.
ومن موقع الرأي الشخصي، أقولها على نحو قاطع، ما يجري في حلب ليس أمناً، بل إعادة إنتاج للإرهاب بلباس الدولة. دولة تخاف من الكورد هي دولة تخاف من نفسها، وسلطة ترى في شعب أصيل عدواً، سلطة محكوم عليها بالفشل مهما امتلكت من أدوات القوة، التاريخ يقول لنا من الأنفال إلى كوباني وإلى حلب، لم يثبت يوما أن الكورد كانوا خطراً على الدول، بل أثبت أن الأنظمة التي حاربتهم كانت أول من انهار.
وبالاستناد إلى قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، فإن ما يجري في الشيخ مقصود والأشرفية يرقى إلى انتهاكات جسيمة محظورة صراحة، ولا يمكن تبريرها بذريعة الأمن أو السيادة. فحصار الأحياء المدنية، وتعريض السكان للخطر، وفرض العقاب الجماعي على أساس الانتماء القومي، تشكل أفعالاً مخالفة لاتفاقيات جنيف، وقد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية متى ما ثبت طابعها المنهجي والموجّه ضد جماعة محددة و إن مسؤولية الدولة تقاس بالأفعال ولا بالخطابات، وأي سلطة تتبنى أدوات الإرهاب ومنطقه تفقد الأساس القانوني والأخلاقي لادعاء الشرعية، فإن الصمت أو التبرير لا يعفي من المساءلة القانونية، ولا يسقط حق الضحايا في العدالة والإنصاف، ويضع من يمارس هذه السياسات في موضع الاتهام لا الشرعية و هنا نتساءل لماذا كلما خرج الارهاب من الكهوف الى القصور كان الكورد أول من يستهدف.



