في التاسع عشر من يونيو ٢٠١٤ ، نصب ابو بكر البغدادي نفسه خليفة على المسلمين ، رافعاً شعار "الخلافة على نهج النبوة " وفق شريعة تنظيمه « الدولة الإسلامية في العراق والشام » ، معلناً عن دولة " الوهم " ، التي بدأت تتسع جغرافياً وبشرياً و عقائدياً ، حتى غدت دولةٌ تضم كلَّ الجنسيات والملل ، مرةً طوعاً ، من خلال استقطاب آلاف المهاجرين من خارج حدود الدولتين السورية والعراقية ، وهؤلاء من كانوا يحلمون بأرض المعياد والجهاد المقدس ، فوجدوا ضالتهم في أرض الخلافة ، أو اكراهاً عبر تسليط سيوف المجاهدين على رقاب السكان المحليين ممن وقعوا في قبضتهم أثناء الغزوات من أجل السبايا والغنائم .
لا شك ، أن هذا التنظيم ، اتبع تكتيكات واستراتيجيات عالية المهنية لجذب شرائح مختلفة من طبقات المجتمع ، المحليين والأجانب ، خاصة الإسلاميين والجهاديين الراديكاليين ، الذين كانوا الوقود الحيوي لجميع معاركه العسكرية المباشرة ضد قطعات الجيشين العراقي والسوري وكذلك المدنيين تحت شعار " محاربة الملاحدة والكفار " . على أنقاض الجماجم والقبور الجماعية لمدنيين ، شكّل التنظيم مؤسسات دولته المستقبلية ، ومع صرخات الثكالى والأيتام والسبايا الإيزيدات ، حدد لكل منها وظيفة ومسميات ، أطلق عليها " صروح الخلافة " . ديوان التعليم ، كان أحد المكاتب المؤسسية الأولى التي أسسها تنظيم داعش في دولته ، وحظي باهتمام بالغ من قبل قيادات وخبراء هذا التنظيم ، نظراً لما حملته المناهج التعليمية من أفكار جهادية تكفيرية، أعدت جيلاً من الأطفال والفتية نفسياً وإيمانياً، سياسياً وعلمياً، وبدنياً أطلق عليهم " اشبال الخلافة " ، لكي يكونوا قادرين على الوفاء بواجبهم الديني المتمثل في الدفاع عن الخلافة والخليفة ، والقيام بواجب الجهاد ضد " الكفار " أينما كانوا ، وتبرر لهم أي فعل انتقامي ضدهم أينما وجدوا .
الدولة المزعومة تشرف على الانتهاء ، وهي تتلقى ضربات موجعة في مدينة الباغوز السورية هذه الأيام ، وتنهار آخر مرتكزاتها الأساسية الادارية والعسكرية تباعاً ، ونفذ خزان وقودها البشري تقريباً ، باستسلام الآلاف من مقاتليها وعوائلهم لقوات سوريا الديمقراطية ( قسد ) ، ولكن هل يمكن مع هذا الانهيار وصور الاستسلام الجماعية ، إعتبار " الدولة الإسلامية " منتهية فكرياً وعقائدياً ؟ ، لعل حديث إمرأة داعشية لإحدى القنوات الفضائية وهي تقول : " أنهم خرجوا لتربية ابنائهم على الجهاد والدفاع عن دولتهم الإسلامية " اختزلت كل الاجابات ، كما أن مشهد ذلك الطفل ، وهو يؤذن ويقيم الصلاة أمام مجموعة من الأطفال صغار السن لا تتجاوز أعمارهم العشر سنوات ، إجابة أخرى كافية لهذا التساؤل . وهذين المشهدين وحدهما كفيلين بدق ناقوس الخطر ضد " توريث ثقافة الجهاد " من الآباء والأمهات الى الأبناء ، لأن تلك العقيدة الجهادية التي زرعت في أدمغة هؤلاء " المتباهون " بعدالة دولتهم الإسلامية ، ليست من السهولة إنهائها بمجرد استسلام هنا ، أو هزيمة عسكرية هناك ، والعالم أجمع أصبح اليوم مطالب أكثر من أي وقت مضى ، بتحمل مسؤولياته في الوقوف على هذه الظاهرة ، ودراستها ومعالجتها من كل الجوانب ، وفق أسس علمية سليمة يراعي فيها الظروف والبيئة التي عاشوا وتعلموا فيها هذه الفئات العمرية .
من الصعوبة بالإمكان ، إعادة تأهيل جيل ولد وتربى في كنف أبوين مؤمنين مطلقاً بعدالة " دولتهم الإسلامية " ورسالتها الجهادية ، وليست من السهولة إعادة دمجهم في مجتمعات طبيعية تعشق الحياة وتناضل من أجلها ، خالية من ثقافة « عشق الموت من أجل الظفر بالحوريات في الجنة » ، ليس هذا فحسب ، بل تتلمذ هؤلاء الأطفال والفتية في مدارس ديوان التعليم على ثقافة التكفير والانتحار بين جموع من " الكفار والملاحدة " ، ومشاهدة صور المجاهدين مع ستراتهم الواقية ، وترديد الأشعار التي تمجد الخليفة " البغدادي الهاشمي القريشي حفظه الله ورعاه..." ، وحفظوا قصائد لسيد قطب تمجد شهادته عند إعدامه في عهد جمال عبد الناصر ، وإنشاء رسائل على غرار " رسالة ابو مصعب الزرقاوي إلى أبناء الأمة الإسلامية " ، يتحدث فيها عن جهاد المسلمين في العراق ، وتعلموا الرياضيات بجمع أشكال الأسلحة المتنوعة كالدبابات والقنابل اليدوية والكلاشينكوف والسيوف والخناجر ، وعمقوا ادراكهم لفهم العمليات الحسابية بأمثلة من الحياة الواقعية لمواطني الدولة وطقوسها اليومية ، على سبيل المثال : " اغتنم مجاهد خمس سبايا من معركة مع الكفار ، ثم في معركة أخرى اغتنم ثلاث سبايا ، فما مجموع الغنيمتين ؟ " .
ما يشهده العالم في " الباغوز " من استقبال ومساعدة وفرز بين المستسلمين حسب الفئات العمرية والجنس وطبيعة الأدوار التي قاموا بها أثناء تأدية واجبهم الجهادي ، والبلدان التي ينتمون إليها ، يجب أن لا يسر به أحداً ، وأن لا تغرر به العقلية السمحاء الذي برهن الكورد أنهم من روادها . الباغوز لم تعد ذلك المكان الذي جمعت فيها مفرزات إنهيار « صروح الخلافة » ، ولم يعد الإعلان عن انتصار عسكري على هذا التنظيم مهماً وملفتاً بقدر التفكير بمصير حاملي هذا الفكر السلفي التكفيري المعادي للمدنية ، ثم من هي تلك الجهة التي ستتولى رعاية وتأهيل هذا الكم من المنسلخون عن الواقع منذ ما يقارب الخمس سنوات ، والأهم ، كيف ستكون طبيعة هذا التأهيل وأين ؟؟ ، والأخطر حتى الآن ، دول عديدة تبرأت من مواطنيها ، ولا تريد استقبالهم ، أو حتى محاكمتهم وسجنهم في دولهم ، فكيف لنا أن نضع أسلاك حول مخيمات تحويهم وعلى مقربة من مدننا وثقافتنا وأطفالنا ومستقبلنا ونقول : انتصرنا وانتهت دولة الخلافة ؟؟؟ .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



