اعتقد ان مؤتمر ميونخ للأمن - الذي ينعقد في المانيا، ليس تظاهرة بروتوكولية تتكرر كل شتاء فحسب؛ بل إنّه، في تقديري، مختبرٌ كثيف ومركز لإعادة صياغة السرديات الاستراتيجية وأيضاً إعادة تعريف مفهوم الأمن بشكل عام وذلك بوصفه شبكةً معقّدة للغاية، ابتدأ من توازنات القوى، وإدراكات التهديد، والى هندسة الردع.
هناك، وتحت سقف وأضواء قاعات باردة، ينعكس عليها ضوء الصباح الألماني الخافت، تتجاور الواقعية السياسية مع الليبرالية المؤسسية، ويتحوّل الأمن من شعارٍ إلى معادلة دقيقة.
في هذا العام ينعقد المؤتمر، بينما يعيش الشرق الأوسط في ذروة سيولةٍ جيوسياسية. صراعات مفتوحة على مصراعيه في اليمن وغزة وسوريا، فواعل دون الدولة، كظهور فلول داعش هنا وهناك، اختلالات واضحة في ميزان الردع، وظهور منظومات الدولة الوطنية. وأنت تعرف، كما أعرف، وهكذا الجميع، أن المنطقة حين تهتزّ لا تختار ضحاياها بعناية. انه الشرر بعينه يتطاير دون استئذان.
إقليم كوردستان - العراق، هو الاخر ليس بخارج عن هذه الدائرة. بل هو في تماسّ مباشر، واحياناً غير مباشر، مع خطوط الصدع. من هنا أجد أن مشاركة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، تتجاوز رمزية الحضور. إنها فعل تموضع استراتيجي. فالرجل لا يتحدث من أعالي برجٍ نظري، بل من خبرةٍ براكتيزمية قد تشكلت عنده في خضمِّ بحرٍ من الأزمات المتلاطمة، المتعاقبة موجةً إثر موجة، منها: الحرب على الإرهاب، توترات في الداخل والجوار، وتعقيدات العلاقة مع بغداد. هذا الرصيد يمنحه ما أسميه "شرعية المعاناة السياسية"، وهي عنصر نادر الحضور في المنتديات الدولية، ومنتدى ميونخ إحداهن.
ثمة من يختزل - أو يستثمر - ميونخ في كونه منصة خطاب فحسب. لكنني أختلف مع ذلك. ففي الكواليس تُصاغ التفاهمات الأولية، وتُختبر مقاربات "الحياد الفعّال" التي يتبناها الإقليم. هذه المقاربة، إن دققنا فيها، ليست حيادًا سلبياً، بل إدارة محسوبة لتعدد الشراكات دون الارتهان لمحور. إنها توازن بين الأمن المحلي والأمن الدولي، بين ضرورات الجغرافيا وإغراءات الاصطفاف.
أتذكر، في إحدى مقابلاته كيف كان مسؤول أوروبي يكرر عبارة "الثقة القابلة للتنبؤ". اعتقد وقتذاك كان الرجل يقصد أن الفاعل الإقليمي يُقاس بمقدار قدرته على التصرف ضمن أفق متوقع. أرى أن هذا هو الرهان الحقيقي في ميونخ، أن يُعاد تثبيت (اعادة تموضع) كوردستان كطرف يمكن التعويل عليه، لا كساحة تنازع، ولا كقوة مأجورة يدفع أجرها بعد حين، او قد لا تدفع حتى.
ثم تعلو نبرة القلق شيئاً يسيراً. لأن السؤال وازن بثقله: هل تكفي القنوات الدبلوماسية وحدها في إقليمٍ تتكاثر فيه الفواعل المسلحة وتتضارب فيه رهانات القوى الكبرى؟ هنا تبلغ طرح الفكرة ذروتها. الأمن ليس ضمانة تمنح، بل مسار دائم بعملية مستمرة من التكيّف وإعادة الضبط.
ومع ذلك، يهبط الإيقاع. فالحضور والمشاركة بحد ذاتها موقف ورسالة. رسالة تقول إن الإقليم فاعل في هندسة مستقبله وصياغة مآلاته، لا ينتظر أن يُملى عليه. وهذا، في زمن العواصف والرياح العاتية ليس تفصيلاً أو شأناً هامشياً. واستودعكم بالأمن والأمان.
