في سوريا يسمى المشرف أو المسؤول عن المستودعات والمخازن الحكومية، بـ"الأمين"، وبالرغم من إيجابية هذا المصطلح الذي يدل على الأخلاق أولاً قبل المهنة، لكن كان ومازال يخطر في بال السوريين خاطرة مفادها أن "الأمين" المفترض هذا، قد يصبح "الحرامي" الأول للسلع الموجودة داخل المستودع، عبر التلاعب ببعض الأمور التي تخضع لصلاحياته، وبالتالي إمكانيته نهب ما تيسر له من الأملاك العامة "المؤتمن عليها"، لذا كلما تخبر مواطناً سورياً بنبأ احتراق مستودع أو مخزن ما في بلده، نتيجة "فعل مجهول" كالعادة، سيرد عليك فوراً: "الله أعلم كم من المواد تمت سرقتها من قبل أمناء المستودع، حتى اضطروا لإحراق ما تبقى بهدف إخفاء ما تيسر لهم من سرقته"، وبالتأكيد الكلام لا ينطبق على جميع "السادة الأمناء"، لكن الظاهرة كانت متفشية في دوائر الدولة، وموجودة في أذهان المواطنين، والتي أدت إلى الشك حتى بالأمناء المخلصين حقاً، أيضاً.
في بداية 2011 ثار السوريون نتيجة وجود نهج أمناء المستودعات والمخازن هذه، على غالبية مفاصل الدولة وعلى رأسها المؤسسات الأمنية، مطالبين فقط "بالحرية والكرامة" كأدنى متطلبات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن الرد العنيف من جانب السلطات أحال الأمر إلى حرب مستمرة حتى يومنا هذا كما هو معروف، وأدى إلى تشكيل مجالس سياسية وكتائب مسلحة ومجموعات مدنية كثيرة وغيرها، كل منها يدعي تمثيل الشعب، فتوزعت البقاع السورية بين سيطرة جهات كثيرة مختلفة لتصبح متصارعة فيما بينها لاحقاً، تنادي كل واحدة منها "بالنضال في سبيل الحقوق والحرية" وفي المقابل تفرض أجنداتها وأجندات الأطراف الدولية الداعمة لها على القاطنين في المساحات التي تسيطر عليها، الأمر الذي أدى بالسوريين من أبناء تلك المناطق، التي كانت قد تعاني من الجيش النظامي، بأن تتلقى معاناة إضافية على يد الأطراف الجديدة التي تفرض عليهم ما تؤمن به، وحينها أدرك سوريون كثيرون، خاصة بعد 2016، أن عقلية "أمناء المستودعات والمخازن لدى النظام الحاكم" باتت تستمر بصيغ أخرى في عقول القادة الجدد "الأشاوس" أيضاً، وبات متوقعاً أن يصبح القائد الثوري أيضاً، كأمين المستودع، مستعداً لحرق ما أؤتمن عليه لنيل مكاسب ونفوذ فئوي ضيق، خاصة من قبل الذين قاموا بتصفية وتغييب القادة الأولين وحلوا محلهم، ليبدأ مسلسل الصراع ومحاولة إلغاء الآخر بين جماعات "الأمناء الجدد الثوريين" أنفسهم لتدخل البلاد إلى حرب أهلية بالفعل، الأمر الذي خلف آلاف القتلى بين المتصارعين على النفوذ الهش أصلاً، غير آبهين بسقوط براميل الجيش النظامي وقصف الطيران الروسي والوجود العسكري الإيراني وحزب الله اللبناني وغيرهم.
لقد تحول الصراع في سوريا ما بين حكومة ومعارضة، إلى معارضة – معارضة أيضاً بذات الوقت، خاصة بعد تلقي كل طرف الدعم من دول عديدة متصارعة في المنطقة هي بالأصل لا تطبق الديمقراطية وتنتهك معايير حقوق الإنسان مع مواطنيها، وبات كل طرف سوري "معارض" يتهم الطرف الخصم أو المنافس له "بالعمالة والارتزاق لصالح دولة أجنبية" وبذات الوقت هو نفسه يحاول الاستقواء بدولة أخرى، وكل يحرم على غيره ما يحلله لنفسه، لتكون النتيجة واحدة، وهي بقاء الأسد واستمرار نظامه في السلطة رغم ادعاء كل هؤلاء بالعمل والقتال ضده، واستمرار حلقات قتل المواطن السوري بأدوات عديدة، ناهيك عن ظهور تنظيمات مصنفة على لوائح الإرهاب العالمية، والتي هي أيضاً نخرت في الجسد السوري ما تيسر لها.
إن ما سبق، ليس مقتصراً على وضع السوريين فحسب، بل ينطبق على شعوب ودول المنطقة بشكل عام، فبدءاً بالتنمر الفظيع الذي نشاهده بين مؤيدي الأطراف المختلفة على صفحات التواصل الاجتماعي، ووصولاً إلى الصراع المسلح بين رفاق الدرب والهدف الواحد في كل دولة، نستكشف آسفين أنه، يبدو أن طريقة إنكار الآخر ومحاولة السيطرة الشمولية على مفاصل الدولة والمجتمع لم تكن محصورة بين أنصار الديكتاتوريات الحاكمة فحسب، بقدر ما أن العقلية الشمولية ومحاولة رفض الآخر المختلف هي أصلاً جزء من طريقة غالبيتنا في التفكير دون أن ندرك ذلك، بدءاً من ديكتاتورية الوالدين على الأولاد وضربهم وتعنيفهم بذريعة التربية والأخلاق، وسطوة العقلية الدينية بين المحافظين، ومنع الفتاة من ممارسة حياتها كأخيها بذريعة دفع العار والعيب، ووصولاً إلى المسائل السياسية التي تعتبر الآخر المختلف خائناً حتى بين رفاق الدرب والثورات أنفسهم، كل طرف أو شخص يبرر على طريقته، فالديكتاتور يبرر بأن الوطن في خطر، والمعارضون يبررون بأن الثورة في خطر، والقوميون يصرون أن الأمة في خطر، والمذهبيون يحرصون دائماً على أن طائفتهم تعاني من الخطر... الخ، وكل ذلك يؤدي بالتأكيد إلى محاولة رفض الآخر بحجة المرحلة الحساسة، والموضوع ليس مقتصراً علينا كسوريين فحسب بل الأمثلة موجودة في كل دول المنطقة، مثلاً:
بالنظر إلى احتجاجات العراق المدنية السلمية في الأشهر الأخيرة، والتي طالبت بأدنى متطلبات العيش، وكيف أن السلطات قامت بقتل المئات منهم، تلا ذلك مسلسل اغتيال الناشطين، نرى أن كل ذلك حدث في عهد حكومة توافقية تمثل جميع المكونات الإثنية في ذلك البلد، وتتشكل من قوى سياسية كانت قبل 2003 تناضل أو تدعي النضال لعقود من السنوات ضد ديكتاتورية نظام صدام حسين ومحاولة إسقاط حكمه من أجل تطبيق "الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان". كما أن الاحتجاجات الأخيرة حدثت في مناطق الغالبية الشيعية نفسها هذه المرة، أي بين حواضن وناخبي ومؤيدي القوى المسيطرة على زمام الأمور في العراق والمعروفين بولائهم لإيران، ولم يكونوا هذه المرة من السنة المتهمين "بالدعشنة"، أو من الكورد المتهمين "بالانفصالية والنيل من وحدة الوطن"، والحال نفسه مع الاحتجاجات الأخيرة في لبنان، فبالرغم من سلميتها وحتى طرافتها في بعض المواقف، ووجود حكومة تمثل أغلب أطياف هذا البلد، إلا أن القمع والعنف والقتل طال مئات المدنيين اللبنانيين أيضاً، أما في تركيا التي تقول إنها تعمل من أجل حرية الشعب السوري وحرية الأويغوريين في الصين وغيرهم، عادت الآن لتتصدر مستويات عالمية بنسبة وعدد المعتقلين السياسيين، وبينهم برلمانيون يتمتعون بالحصانة، على خلفية مواقفهم السياسية المعارضة للحزب الحاكم، كما صنفتها إحصائيات لمنظمات عالمية في العام 2019 على أنها الدولة الثانية على مستوى العالم بعدد الصحفيين المسجونين لديها بتهمة الإرهاب أو دعم الانقلابيين.
قبل ثلاثة عقود من ثورات "الربيع العربي" كانت إيران أيضاً تعاني من القبضة الحديدية لحكم الشاه، إلا أن زوال حكمه في 1979 بثورة شعبية، لم يجلب لمواطنيها تلك الحرية المنشودة التي كانت تتغنى بها أحزاب إيرانية في ذلك الحين، بل تم استبدال الديكتاتورية الملكية بأخرى جمهورية ثيوقراطية تدخلت حتى في مفاصل الحياة الاجتماعية للمواطنين، لا بل وتدخلت حتى في ملبسهم وفي مسائل كانت تنعم أصلاً بالانفتاح في زمن الشاه، وإذا كان ثمة من يقول إن السبب يعود إلى سيطرة قوة واحدة فقط على الثورة الإيرانية وليست قوى متعددة تتنافس وتحسب حساباً لبعضها البعض، فهنا تجدر بنا الإشارة إلى التجربتين الليبية واليمنية حالياً، حيث تم إسقاط نظام الحكم في البلدين ومقتل رئيسيهما، لكن تعددية القوى فيها (على عكس التجربة الإيرانية) لم تجلب الديمقراطية إليها، بل حولت البلدين المذكورين إلى ساحات حرب أهلية دموية لازالت قائمة، كل طرف يحاول إلغاء وإنهاء الآخر، هذا ناهيك عن الحرب الأهلية التي جرت بين الأطراف اللبنانية في سبيعينيات القرن الفائت، والقوى الكوردية في التسعينيات وكذلك الفصائل الفلسطينية في جولات عديدة، غير آبهين بالأنظمة والجيوش التي كانت تقتلهم وتحتل أراضيهم دون تمييز.
إن ما سبق ذكره لم يكن بقصد التقليل من شأن ونضالات حركات التحرر وثورات الشعوب في المنطقة عموماً، في وجه الديكتاتوريات التقليدية التي عاثت في البلاد فساداً، لكن من الضروري أن نأخذ العبر من تجارب الأمس القريب وكذلك الحالية، بغية التشكيك بشعارات القادة المعارضين والثوار الحاليين في دول المنطقة، قبل وصولهم لسدة الحكم أو إحداث تغيير جذري، على اعتبار أن الكثيرين منهم، ربما لم يتخلصوا بعد من عقلية "أمناء المستودعات والمخازن الحكومية في سوريا"، لذا فالكل متهم "بمحاولته إحراق مستودعه أو مخزنه المؤتمن عليه حتى يثبت العكس"، وحتى لو تحققت الممارسة النسبية لتطبيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان عبر توافقات سياسية، وليست قولاً وفعلاً وبقناعات فكرية وعملية من قبل المنادين بها، فإنها ستكون هشة ومهددة، كما حصل في الأشهر الأخيرة من أداء حكومتي العراق ولبنان مع مواطنيهم المحتجين، لأن الإيمان والاقتناع بقبول الآخر، ينتج عن فكر ووعي وليس عن احتساب قوة الآخر.
ختاماً، إن مطلب إسقاط الحاكم الديكتاتور من دون إسقاط الذهنية الضيقة في عقول وعواطف المطالبين بإسقاطه، يؤدي بالتأكيد إلى ولادة ديكتاتوريات جديدة عديدة تتصارع فيما بينها، ومن شأنها أن تجبر عامة الناس على الحنين إلى أيام الديكتاتور الأوحد بدلاً من الديكتاتوريات العديدة، وهنا تكمن الكارثة، التي تتشابه بكارثة الذين حنوا سابقاً إلى الأنظمة الملكية بعد صدمتهم بتأسيس جمهوريات عسكرية.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية



