يتخذ « التسابق » على «اقتسام » المغانم ميداناً لمعظم الدكاكين السياسية الكردية ، وبعض السياسيين « الجدد » الذين دخلوا الى ميدان السياسة بشكل طارئ ، وهي تُعَبِّر في احد تجلِّياتها عن الاِنْموذج الاوسع لما وصلت اليه الحالة الحزبية الكردية من ترديٍ وفقدان للذات المُنتِجة ، وانفصال عن الحقوق القومية الكردية ، تلك الحقوق التي دافعت عنها الاحزاب الكردية التقليدية عبر تاريخها النضالي ، حيث استطاعت ان تُؤَسِسْ لها في اذهان ووجدان الكرد السوريين ، وتعزز فيهم الشعور والانتماء القومي ، مما ادى الى دفع العديد من ابناء شعبنا الكردي الى تقديم التضحيات ، ومقاومة سياسة الصهر والتذويب ، والتجريد من الحقوق ، لدرجة اعتقال قادة وكوادر هذه الاحزاب بسبب اصرارهم وثباتهم على المبدأ.
يكمن الاصل عادة في وجود الاحزاب السياسية في المجتمعات المختلفة ، الى تقوية اللُحمة الوطنية ، وتعزيز اواصر المحبة والتكاتف بين الشعب ، وخلق جيش من المواطنين حول مطالب او حقوق معينة ، والدفاع عنها في وجه السلطة- الطُغّمة أياً تكن هذه السلطة ، بغض النظر عن انتمائها القومي او الديني ، لكن في الحالة الكردية السورية بعد عام 2011 ، ازدحمت الساحة السياسية الكردية بتأسيس احزاب شخصية او عائلية او عصبوية لا يتجاوز عدد اعضائها اصابع اليدين بهدف «الربح » والمنفعة الذاتية ، او القيام « بدور» معين خدمة لأجندات معينة ، رغم الاسماء والمهام الكبيرة التي ادعت تبنيها او التصدي لها مجتمعياً ، وبدلاً من ان تعزز هذه الاحزاب النسيج الاجتماعي الكردي ، وتصبح عاملاً حيوياً في الشارع بغية استنهاضه او تثويره ، تحولت هذه الاحزاب الى انموذج من العصبيات المتصارعة التي لكل منها « مرجعيتها » الخاصة ، لفرض نفوذها على الشارع الكردي واقتسام الغنائم - الذي قد تكون فتاتاً في بعض الحالات – و«الابتعاد » عن النشاط العام والحيوي ، لابل عملت هذه العصبيات وفق مبدأ «الانفتاح» امام الانصار، والاغلاق «التام» في وجه من لا يواليها ، والذين يتم سوقهم بأساليب متعددة – سياسة العصا والجزرة - الى احضان عصبياتهم الحزبية ، خاصة اذا اراد هؤلاء العيش ونيل القسط القليل من مستلزمات الحياة ..!
ومع هذا الانقسام الذي بدأ كردياً بعد 2011 اصبحنا ابعد ما نكون عن مفهوم الفعل «الواعي » المنتج ، واقتربنا من مفهوم الرعية ، وحالة الانسان «التابع» الذي لا يمتلك القدرة على اتخاذ قراره ، ودخلنا في حالة من الجمود والعطالة ، التي « تُؤبّد » الواقع المتخلف، و« تُكبّل ,, المستقبل بأغلال الايديولوجيا الما « قبلية » ! وتُحَوِل الاحزاب من « ادوات » لتحقيق الاهداف السامية ، الى « مراكز» للولاء والتبعية وسلب الارادة ، ولاءٌ يقوم على مبدأ« النصيب » من الغنيمة ، وتعزيز « النفوذ الذاتي » عبر انتاج علاقات الولاء - البيني - التي تنظم العلاقات بين السكرتير والعضو الحزبي ، بعيداً عن مفهوم الكفاءة والاداء ، والعلاقات الانسانية الرفاقية التي يحكمها هدف مشترك ...!
اما اللوائح التنظيمية التي وضعت ، فلا حصانة لها ولا حماية ، رغم الحديث المتكرر عنها في كل مناسبة ، وضرورة تطبيقها والالتزام بما جاء فيها ، وخاصة عندما يكون الامر متعلقاً بسلطة « الرأس » الذي تم انشاء الحزب من اجله ، وعند كل منعطف او قضية « خلافية » او حين تكون هناك « منفعة » او « غنيمة » لأنه بدون هذا النظام ، لا يمكن « الرضوخ » للسكرتير، و« الاعجاب به » وفي بعض الاوقات يقوم صاحب النفوذ في الحزب – أي السكرتير – بإذكاء نار الخلافات في الحزب من اجل تصفية الخصوم ، او ابعاد شبح الخطر حين يحس به ، او قد يكون الهدف ، هو تقديم مزيد من الارتباط والولاء والتبعية لذاته « المؤلهة » اما طلباً للمغانم او لتحصين موقع ، وهذا يؤدي بطبيعة الحال الى ان لا تكون العلاقات ضمن الاحزاب قائمة على « الندية » والمساواة والعلاقات الرفاقية ، بل اساسها وجوهرها التبعية «المجردة » والتي تنسف كل العلاقات «الوظيفية »الافقية الضرورية للقيام بعمل جماعي – ابعد ما تكون عن - العمل بعقلية الفريق – والتي لا تؤدي في نهاية المطاف الا الى امساك السكرتير بالجميع ، بحيث يصبحون « رهائن » لمشيئته وسلطته المجردة من أي بعد انساني ، الامر الذي يدفع الى « تلاشي » قوة الحزب الكردي وقدرته على «تحصين » اهدافه التي تأسس من اجل تحقيقها –أي العمل عند الحد « الادنى » والضروري لاستمرار عمل الجميع ..!
اما من لا ينتمي الى اية مرجعية سياسية او عصبوية حزبية ، وليس لديه شيء سوى كفاءته وادائه وحسه القومي ، فانه يتعرض الى التهميش والاتهام ، واحيانا التخوين ، ويبقى خارج اللعبة السياسية ، وتنسج حوله عشرات القصص والاقاويل التي تستهدفه ..رغم انه قد يكون لديه الرغبة في العمل ، وتحمل المسؤوليات ، والمشاركة في صنع القرار ، والنتيجة « اجترار » المعاناة وجني « خيبة الامل » والعيش « غريباً » عن اخلاق المجتمع الجديد والانتهازية السائدة ؟؟
هذه النماذج الحزبوية التابعة للعصبيات ، تحمل عادة شحنة ,,عدوانية» تجاه المختلف ، وجرعة من « فيروس » العصبية السياسية ، وتعتبر نفسها الفئة « الناجية » من الضلال ، وصاحبة « العقيدة » المرفوعة ، وتعمل عادة على « توليد » الصراعات ، وانتشار الفوضى ، والابتعاد ما امكن عن الترويض ، ودفع الصراعات الى مستويات عنفيه ، ومواجهات جبهيه ...!
اليوم بعد ثمان سنوات من « الانفجار» السوري ، وعدم قدرة معظم الاحزاب الكردية السورية على انتاج وعي «مطابق » للحقيقة الكردية ، وتحقيق مكاسب قومية ملموسة ، وخاصة تلك التي تدعي استقلاليتها وتمثيلها للجماهير ، ودفاعها عن المشروع القومي الكردي، عليها ان تقوم وبشكل عاجل ، الى اجراء مراجعة « جذرية » شاملة لأدائها السياسي ، وسلوكها التنظيمي ، وهي مهمة مستعجلة بعد معركة الباغوز ، واعلان الانتصار على داعش جغرافياً ، والسيناريوهات المحتملة لروجافي كردستان ، وخاصة المنطقة الجغرافية التي باتت تسمى في الادبيات السياسية الحالية (شمال وشرق الفرات )..!
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



