الكورد والفرس والبلوش والبشتون والصغد ينتمون لعرق واحد هو العراق الآري "الإيراني"، فلا مندوحة من أن لها تأثير فيما بعد على الذهنية الفكرية والفكرية والاجتماعية لهذه الشعوب التي افترقت فيما بعد لأسباب عديدة لا مجال لبحثها في هذه العجالة.
الفرس مثلهم مثل الكورد وبقية الأمم الآرية دخلوا الإسلام وكانوا على مذهب أهل السنة والجماعة، إلى أن تم تشيعهم بداية القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وتحديداً سنة 1501- 1502م على يد الشاه "إسماعيل الصفوي" الذي استعمل القسوة الشديدة هو وحفيده الشاه "عباس" في القرنين السادس عشر والسابع عشر على التوالي ضد الكورد السنة، ومع ذلك لم يستطيعوا إلاّ تشييع قسم قليل من هذا الشعب.
كما أن تمسك الشعوب الجبلية بعقيدة أو فكرة ما يجعل من الصعوبة بمكان تغييرها في المدى المنظور، لذا أصيب دعاة الشيعة بالإحباط واليأس من محاولة تشييع الكورد وتغيير قناعاتهم الفكرية لزيادة الرقعة الجغرافية لكيانهم القائم على المذهب.
مما تقدم وحسب المنظور الشيعي القائم على تشييع غالبية الجماعات المسلمة من المذاهب المخالفة، أصبح الكورد شوكة في خاصرة الدول الشيعية التي تعاقبت على الحكم في العراق وإيران وكوردستان، مثل: البويهيين الديالمة، والدول التركمانية الشيعية، وفي إيران مثل: الصفويين والأفشارين والقاجاريين التركمان.. وغيرهم.
ومما تجدر الإشارة إليه أن غالبية الزعماء الكورد السياسيين وزعماء القبائل وعلماء الدين الإسلامي في هضبة الإيرانيين الصفويين ومروراً بالقاجاريين والنظام البهلوي وانتهاءً بالنظام الإسلامي الشيعي قد تم اغتيالهم وتصفيتهم على يد الحكام الإيرانيين الشيعة الذين تعاقبوا على حكم الهضبة الإيرانية لعدة قرون، أمثال: قيام الشاه عباس عام 1690م بقتل الأمير الكوردي خاني لب زيرين البرادوستي (حاكم قلعة دمدم) وقتل رئيس عشيرة الموكري الكوردية مع 150 من مرافقيه، واغتيال (جوهر شكاك) عام 1908م مع مرافقيه، واغتيال (سمكو شكاك) عام 1930م، إعدام الشهيد (قاضي محمد) عام1947م، وكان آخرهم (الدكتور عبد الرحمن قاسملو) زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني وسلفه (عبد الرحمن شرفكندي)، حيث تم اغتيالهم على يد سلطات الجمهورية الإسلامية الإيرانية في سنوات 1989 و1992م على التوالي.
وفي التاريخ المعاصر وبنهاية الحرب العالمية الأولى ظهرت الدول القومية في مسرح الشرق الأدنى في تركيا وإيران والعراق وسوريا، وتحول مجرى الصراع بين الكورد وبين هذه الأنظمة إلى صراع سياسي على أمل حصول الكورد على حقوقهم التي أهدرتها تلك الأنظمة.
ولكن رغم ذلك فإن صراعاً طائفياً كان يطفو على السطح ويظهر بجلاء على أقل تقدير في إيران، حيث كان الكورد يعانون من صراع قومي وطائفي في إيران في آنٍ واحد، بعكس الدول الأخرى مثل تركيا والعراق حيث كان الصراع القومي والسياسي هو الأساس في تركيب طرفي المعادلة.
أما بخصوص العراق الحديث الذي برز إلى الوجود بتشكيل أول حكومة عام 1920م برئاسة (عبد الرحمن النقيب)، وفيما بعد بتبوأ الشريف (فيصل بن الحسين الهاشمي) القادم من الحجاز السدة الملكية في 32 أب/ أغسطس عام 1921م، فلم يكن هناك صراع طائفي على أقل تقدير بين الكورد والشيعة، بل كان هناك صراع سياسي وقومي بين الحركة السياسية الكوردية وبين الأنظمة الملكية والجمهورية التي تعاقبت على حكم العراق.
وللأمانة العلمية فإن ساسة النظام الملكي بحكم تبعيتهم العثمانية كانوا يميلون بالولاء إلى الكورد أكثر من الشيعة نظراً لأن الكورد كانوا مثلهم أهل سنة رغم كون الجانبين عرباً، بحكم أن الشيعة ومراجعهم آنذاك كان جلهم من الإيرانيين (من الفرس والآذريين) وكان مشكوك في وطنيتهم على أقل تقدير بالنسبة لساسة العهدين الملكي والجمهوري العراقي على حد سواء.
نعم لقد حدث تهميش للشيعة في التاريخ المعاصر في العهدين الملكي والجمهوري في العراق، ولكن هذا لم يحدث للكورد إلا بعد مجيء النظام الجمهوري وتحديداً بعد حركة 8 فبراير/شباط 1963 التي قادها البعثيون والقوميون العرب بقيادة الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام محمد عارف، حيث كانت ثورة سبتمبر/أيلول بقيادة الزعيم الكوردي ملا مصطفى البارزاني التي انطلقت عام 1961 في أوجها، وتعرض الكورد بعدها وخاصة مع مجيء حكم البعث الثاني في يوليو/تموز 1968 إلى حملات عسكرية عنيفة في ثمانينيات القرن العشرين على يد نظام صدام حسين.
هذه الحملات العسكرية وما رافقها من قمع للحركة الكوردية بقسوة شديدة وتدمير الطبيعة الكوردستانية أدت إلى إعادة تغيير في القناعات الفكرية والدينية والمذهبية للعديد من أبناء الشعب الكوردي وبالأخص الطبقة السياسية والمثقفة (الانتلجنسيا).
كما تجب الإشارة إلى أن غالبية الجيل الأول من الرعيل السياسي الكوردي الذين تثقفوا على أبجديات الليبرالية كانوا يضمرون نوعاً من الجفاء تجاه الإسلام كنظام حياة، أما الذين تربوا على الأفكار الماركسية اللينينية التي وردتهم عن طريق أدبيات الحزب الشيوعي السوفياتي وعن طريق الماركسيين العرب من السوريين واللبنانين، فإنهم كانوا يضمرون العداء تجاه الإسلام كدين ونظام حياة في آنٍ واحد، وهذا ما انعكس بدوره على أطروحات الجيل الثاني والثالث من هؤلاء المثقفين والسياسيين الكورد.
لذلك كانت الأجواء مهيأة لرسم صورة منافية للعرب والإسلام والمذهب السني على أساس أن الفئة التي تحكم العراق وقامت بهذه الأعمال المخالفة لكل القيم ومواثيق حقوق الإنسان هم عرب ومسلمون سنيون من مناطق وسط وشمال وغرب العراق حيث الغالبية السنية، فضلاً عن أن آلاف الكورد ومنهم المئات من كوادر الأحزاب الكوردية العلمانية التي تسيدوا الساحة السياسية الكوردستانية قد التجؤوا إلى إيران ونالوا ضيافتها وكرمها.
فلا عجب أن تركت سنوات الهجرة والإقامة في إيران تراكماً معرفياً وثقافياً ووجدانياً آخر يضاف إلى الرصيد المضاد لأهل السنة، وفي الوقت نفسه يعتبر إضافة إيجابية إلى رصيد الشيعة في إيران باعتبارهم ساندوا الحركة الكوردية في العهدين البهلوي والإسلامي الشيعي! بجانب إضافة سجل من الإيجابيات إلى رصيد الشيعة العراقيين الذين كانوا مظلومين بنظر أنفسهم ونظر السياسيين والمثقفين الكورد على أقل تقدير، وكانوا حلفاء للكورد ضد نظام صدام حسين ابتداء من قيام الحرب العراقية الإيرانية عام 1980م.
كما يجب ألا ننسى أن نظام البعث قام بتسفير آلاف الكورد الفيليين الشيعة إلى إيران بداية السبعينيات من القرن العشرين باعتبارهم من أصول إيرانية رغم الاحتجاجات الكوردية العنيفة آنذاك.
وأعاد الكَرة مرةً ثانية حيث لم يكتف بتسفير آلاف الكورد الفيليين بل قام بتصفية المئات بحسب المصادر الفيلية الكوردية، بالإضافة إلى قتل عدة آلاف من البارزانيين، وقصف حلبجة والقيام بعمليات الأنفال سيئة الصيت، وهذا ما ساهم في ازدياد شقة الخلاف إلى أبعد مدى بين الحركة السياسية الكوردية والعرب السنة في العراق.
وهذا ما جعل مثقفي ورجال الدين الشيعة يستغلون مأساة الكورد وبالأخص الفيليين منهم لكونهم شيعة مثلهم ويدبجون المئات من المقالات والبحوث والتقارير التي تعرض في كبريات الصحف العالمية والإقليمية فضلاً عن إقامة المنتديات وجلسات الحوار في كافة نواحي الإعلام المختلفة من فضائيات ومواقع الإنترنت وغيرها، مما خلق جبهة متراصة متماسكة تاريخياً ووجدانياً بين الطرفين الكوردي السني والشيعي العربي.
كما أن الجغرافية سارت إلى حد ما في توثيق العلاقات بين الكورد والشيعة لعدم وجود حالات من الاحتكاك الحياتي بينهما بعكس أهل السنة، حيث تبرز إلى السطح بين الفينة والأخرى خلافات على هامش مناطق الاحتكاك (المناطق المتنازعة عليها) تتعلق بالسكن أو مناطق الزراعة والرعي أو ما شابه ذلك.
أما في الجانب العربي السني (المعارضة العلمانية والإسلامية) فلم يشهد مثل هذا الحراك، وإنما كانت تثار وخاصة في الجانب الإسلامي بعض الإشارات البسيطة إلى مظلومية الكورد وأنهم لا يستحقون مثل هذه الحملات العسكرية العنيفة من جانب نظام الرئيس صدام حسين، وأن الأفضل إعطاؤهم حقوقا سياسية وثقافية لا ترقى إلى الانفصال عن الجسم العراقي، ولم يظهر من مثقفي السنة العرب ولا من علماء الدين الإسلامي منهم من بَزّ الشيعة بفئاتهم العلمانية والإسلامية في التحدث عن مظلومية الكورد وحقهم في الحصول على ما يريدون سواءً في الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو حق تقرير المصير.
نعم استعمل العديد من زعماء الشيعة العراقيين التَقية مع المسألة الكوردية في العراق، ولم يكن الكورد بل حتى السياسيون على دراية بالمذهب الشيعي ومرتكزاته الفكرية وحتى الفقهية لذا انطلت عليهم مثل هذه الأطروحات الساذجة، ولكنهم مع ذلك استطاعوا أن يتغلغلوا في الوجدان الشعبي الكوردي باعتبارهم أثاروا مظلومية الكورد وفي الوقت نفسه عانوا من ظلم النظام على حد تعبيرهم كما يقول المثل العربي (المصائب يجمعن القوم).
في الجانب الآخر قام الكثير من خطباء أهل السنة بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003م بالتهجم على الكورد واتهموهم بالموالاة والعمالة لأميركا وإسرائيل، ولم يفرقوا في ذلك بين بعض قيادات الأحزاب الكوردية القومية والعلمانية وغالبية أبناء الشعب الكوردي المسلمين ومن أهل السنة بالتحديد.
كما أن العديد من العمليات الارهابية طالت العشرات من الكورد الأبرياء مما أدى إلى خلق فجوة نفسية وشعورية بين الكورد السنة والعرب السنة رغم محاولات العديد من الاتجاهات الإسلامية الكوردية والعربية والشخصيات الإسلامية والاجتماعية من الجانبين لرأب الصدع، وإفهام نشطاء وعقلاء الجماعتين بأنهم ينتمون إلى دينٍ واحد ومذهب واحد ولهم تاريخ مشترك وأواصر اجتماعية وجغرافية واقتصادية واحدة بل وحتى نفسية لا يشاركهم فيها الآخرون.
ومن جانب آخر فإن هيئة علماء المسلمين التي كانت تمثل إلى حدٍ كبير جانب أهل السنة والجماعة في العراق، لم يكن دورها بالمستوى المطلوب، ولم تشر إلاّ على استحياء إلى المآسي والنكبات التي ألحقها نظام صدام حسين بالكورد، وإذا أشاروا إلى ذلك كما يفهم من تصريحات رئيس الهيئة فإنها تتعلق بأخطاء وقع فيها نظام صدام حسين وليست مجازر وحرب إبادة ضد الكورد على غرار تصريحات زعماء الشيعة السياسيين والدينيين.
كما أن الجانب الكوردي اتهم العديد من أعضاء هيئة علماء المسلمين بأن لهم خلفيات بعثية سابقة، وأن الكثير من طروحاتهم تصب في هذا الاتجاه القومي البحت المغلف بغطاء إسلامي شفاف.
بجانب أن الهيئة لم تستطع الإجابة عن الكثير من التساؤلات التي كانت تثار في الساحة السياسية العراقية بخصوص الفيدرالية لكوردستان العراق، والموقف من العمليات المسلحة ضد الكورد تحديداً مما أدى إلى عدم وجود قنوات اتصال بين الجانبين الكوردي السني والعربي السني.
ولكن للأمانة العلمية فإن الدكتور محسن عبد الحميد (رئيس الحزب الإسلامي العراقي سابقاً) وغيره من قادة الحزب كان لهم مواقف صريحة من الاعتراف بالفيدرالية لكوردستان وأية مطالب أخرى تطلبها القيادة السياسية الكوردستانية، وهذا ما انعكس بدوره على طروحات الحزب الإسلامي العراقي نفسه.
أما في جانب الأحزاب السنية (العلمانية) فإن غالبيتها كانت مع إقرار الحقوق القومية الشعب الكوردي في الفيدرالية.
مما تقدم فإن الكرة الآن في ملعب العرب السنة فعليهم القيام بمبادرات خلاقة لمحاولة القيام بانشاء فيدرالية تشمل السنة العراقيين، وتغيير الصورة السلبية التي رسمها الإعلام لزعماء وعلماء السنة بخصوص الموقف من الكورد ومطاليبهم في الفيدرالية وحق تقرير المصير فضلاً عن الضغط على إعلام الدول العربية السنية لتفهم المسألة الكوردية وحق تقرير المصير واعتبارها قضية شعب شقيق طالما نافح ودافع عن حقوق المسلمين.
كما أن على السياسيين والإعلاميين الكورد تفهم هواجس العرب السنة وعدم خلط الأوراق بين من له مشروع سياسي لإنقاذ العراق العربي، ومن تمرس في لعبة العنف والارهاب وجعل هذا ديدنه لا لشيء إلاّ لوقف مسيرة الحياة ومحاولة إلصاق التهم بالعرب السنة عن دراية أو عن جهل، وإفساح المجال لإعلام الآخرين المتربصين للعرب السنة ومحاولة إلصاق أخطاء وتجاوزات نظام صدام حسين بهم لا لشيء إلاّ أن صدام حسين وأركان نظامه كانوا من أهل السنة بالجنسية.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



