لم تبن كوردستان اليوم بالمجاملات والمصالح والعلاقات الرسمية، ولم تبن في خضم الصراعات السياسية او الاتفاقات الحزبية، بل ولدت كوردستان من رحم المعاناة والتضحيات والدماء التي سالت على ارضها الطاهرة.
كوردستان اليوم صنيعة انهار من الدماء سالت على ارضها واصطبغت بها جبالها ووديانها وشوارع مدنها وقراها وانعجن الطين فيها بلحم وعظام آبائنا وامهاتنا واعزائنا، دماء الكورد والتركمان والكلدان الاشوريين السريان والارمن، المسيحيين والمسلمين والكاكائيين والايزيديين والزرادشتيين والصابئة المندائيين على حد سواء، فهكذا وضعت أسس هذا الكيان الضميري قبل الدستوري القائم رغم كل التحديات، فـ(شعب دعائمه الجماجم والدم، تتحطم الدنيا ولا يتحطم).
قبل اكثر من نصف قرن، وتحديدا صباح يوم 16/9/1969 قامت قوة من الجيش العراقي بقيادة الملازم عبد الكريم الجحيشي بعد انفجار لغم برتل عسكري قرب القرية، بالهجوم على قرية صوريا المسيحية الكلدانية الكاثوليكية، وهي القرية الخامسة التي تقع الى جنوب التقاء الحدود الدولية العراقية التركية السورية، واحتجز جميع اهل القرية في بستان صغير، ما عدا القلة القليلة التي تمكنت من الاختباء والهرب.
بداية حاول القس الشهيد حنا قاشا التفاهم مع آمر القوة العسكرية البعثية وما كان من الملازم الجحيشي حتى بدأ بسحب اقسام كلاشينكوفه، فهمت احدى شابات القرية وهي البطلة الشهيدة ليلى بنت مختار القرية العم خمو بالهجوم عليه، لتأخذ منه الكلاشينكوف ولكنه دفعها واسقطها ارضا واطلق عليها النار لتكون باكورة قافلة الشهداء، ومن بعدها قتل القس حنا قاشا ومن ثم بدأ الجنود بإطلاق النار العشوائي على الأهالي من أطفال ونساء وشيوخ وشباب دون تفرقة على الدين او القومية.
ففي توزيع الظلم كان النظام الدكتاتوري عادلا وفي لحظتها استشهد معظم أهالي القرية على الفور والبقية ترك ينزف للموت، بينما اضرم الجنود النار في البستان لكيما يحترق ويختنق من تبقى من الأهالي المجروحين الواقعين تحت الجثث الهامدة لذويهم، بينما كان الملازم الجحيشي وزمرته يحرقون وينهبون القرية، حيث تركوا الأجساد الطاهرة للشهداء أياماً في الخلاء لتكون عرضة للكواسر ووحوش البرية، ومن ثم تم دفنها في مقبرة جماعية، وحتى الجرحى لم يتم معالجتهم من قبل المستشفيات لانهم اعتبروا من العصاة.
صوريا وكما يصفها احد أبنائها الابطال وهو البيشمركة المرحوم يونان هرمز "صوريا تلك القرية الصغيرة، كانت صورة مصغرة لمجتمع كوردستان ومثالاً حياً جميلاً للتعايش القومي والديني والمذهبي فيها... أصبحت القرية موضع اعجاب جيرانهم وعاش أهلها كأسرة واحدة يشاركون بعضهم بعضا في الاعراس والمآتم، حتى ان مسلمي القرية كانوا يفضلون ان يصبح احد المسيحيين كريف الدم لهم لاحتضان أطفالهم لدى مراسيم الطهور".
اليوم يصادف الذكرى الحادية بعد الخمسين لمذبحة صوريا والتي هي احد المذابح التي تعرض لها أبناء الشعب الكوردستاني من كورد وكلدان اشوريين سريان، فقد ذاق هذا الشعب مرارة الهمجية والإرهاب في مذابح سيفو وسيميل وبعد صوريا في الانفال وحلبجة الشهيدة وغيرها، فقد دفع شعب كوردستان ثمن صك حريته بالدم.
كوردستان ليست وطنا بني على أساس المصالح المشتركة، بل وطنا بني بالدموع والدماء والأجساد والعظام التي انعجنت بتراب هذه الأرض المباركة لتجبل وطنا يعيش في ضمير ابنائه جيلاً بعد جيل، وطن بنينا اسسه بأجساد الشهداء، أسس قوية لا ولن تتصدع امام كل المؤامرات التي يحيكها أعداء التعايش الديني والقومي المشترك ، فلا التجويع ولا التنكيل ولا الكذب والحقد ولا المصالح الضيقة لن تغنينا عن لحظة واحدة من الألم المشترك الذي عانيناه معاً، فمهما مرت بنا الأيام والسنون، ومهما تغيرت الأوضاع والوجوه، لن تتزحزح أسس وطن بني في يوم دم!
وزير النقل و الاتصالات – حكومة إقليم كورستان



