يُعدّ مفهوم “السلام في الشرق الأوسط” أحد أكثر المفاهيم تردداً في الخطاب السياسي والدبلوماسي الدولي منذ منتصف القرن العشرين. ورغم ما يحمله هذا المفهوم من شحنة رمزية إيجابية، فإنه كثيراً ما يُستخدم في سياقات سياسية لا تعكس بالضرورة التعقيد البنيوي للنزاعات المتجذّرة في المنطقة.
فالشرق الأوسط يشكّل أحد أكثر الفضاءات الجيوسياسية اضطراباً في العالم، نظراً لتشابك الصراعات القومية والدينية والطائفية، وتداخل العوامل التاريخية مع المصالح الإقليمية والدولية. وفي ضوء التطورات الراهنة، ولاسيما وقف الحرب في غزة والتوصل إلى اتفاق شرم الشيخ، برز مجدداً شعار “السلام في الشرق الأوسط” بوصفه عنواناً سياسياً عريضاً، يثير في المقابل تساؤلات حول مدى واقعيته وقدرته على عكس طبيعة المشهد الإقليمي المعقّد.
بدون شك، يشكّل وقف الحرب في غزة خطوة محورية في مسار تخفيف معاناة المدنيين وتهيئة الظروف لمرحلة من التهدئة الإقليمية. كما أن التوصّل إلى اتفاق في شرم الشيخ لإنهاء الحرب يُعدّ إنجازاً دبلوماسياً له دلالاته السياسية والاستراتيجية، ولا يمكن التقليل من أهميته. ومع ذلك، فإن رفع شعار السلام في الشرق الأوسط في القاعة التي استضافت القمة ينطوي على قدر من التبسيط المخل لطبيعة الصراعات والقضايا البنيوية التي تعصف بالمنطقة منذ عقود.
ومن المهم التأكيد أن وقف النار في غزة وحده لا يشكّل حلاً نهائياً للصراع الفلسطيني –الإسرائيلي، إذ يتطلب السلام الدائم معالجة القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل وفق القرارات الدولية ذات الصلة، بما يضمن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ويؤسس لسلام شامل ومستدام.
علاوة على ذلك، لا يمكن اختزال الشرق الأوسط في الصراع الفلسطيني –الإسرائيلي، إذ يضم مجموعة معقدة من النزاعات السياسية والعرقية والطائفية التي تمثل عقبات بنيوية أمام أي مشروع يهدف إلى تحقيق سلام شامل ومستدام. ومن بين هذه القضايا البارزة القضية الكوردية، التي تمثل حالة فريدة من حيث كونها تعبّر عن معاناة أكبر شعب في العالم لا يمتلك كياناً سيادياً معترفاً به دولياً.
يعيش الشعب الكوردي على أرضه التاريخية (كوردستان) الممتدة عبر مناطق واسعة من تركيا وسوريا والعراق وإيران، ويواجه منذ عقود حرماناً ممنهجاً من حقه في تقرير المصير، إلى جانب تحديات سياسية وثقافية وأمنية مزمنة. ويُعد إقليم كوردستان – العراق حالة استثنائية نسبياً، بعد الاعتراف الدستوري به، رغم ما يواجهه من قيود داخلية وإقليمية.
إن تجاهل هذه القضية أو تأجيل معالجتها لا يسهم في استقرار الشرق الأوسط، لأن السلام لا يُبنى على وقف حرب واحدة، بل على تسوية عادلة وشاملة لمجمل القضايا العالقة، بما في ذلك حقوق المكونات القومية والإثنية. ويُعد ضمان حقوق الشعوب في الحرية والكرامة وتقرير المصير شرطاً بنيوياً لأي تسوية سياسية مستدامة في المنطقة.
وبناءً على ذلك، فإن استخدام تسميات من قبيل "السلام في الشرق الأوسط" في سياقات سياسية ودبلوماسية، مثل قمة شرم الشيخ، قد يؤدي إلى انطباع مضلل يفيد بأن النزاعات الجوهرية في المنطقة قد حُلّت أو أصبحت في طريقها إلى الحل، في حين أن واقع الحال يؤكد أن أي سلام حقيقي ومستدام يتطلب معالجة جذرية لمسببات الصراع، ومنح جميع الشعوب، بما في ذلك الشعب الكوردي، حقوقها القومية والسياسية وفق المعايير الدولية لحق تقرير المصير.
ختاماً، إن أي مقاربة جدية لتحقيق السلام في الشرق الأوسط لا يمكن أن تتجاهل الحقوق القومية للشعب الكوردي، الذي يمتلك جذوراً عميقة في تاريخ المنطقة وحضارتها، ويمثل إحدى أقدم الأمم التي لاتزال محرومة من حقها في تقرير المصير. ومن ثمّ، فإن بناء سلام مستدام في الشرق الأوسط يستلزم معالجة هذه القضية معالجة عادلة، بما في ذلك الاعتراف بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره، بما فيه حقه المشروع في إقامة دولته القومية أسوةً بسائر الشعوب. إن تجاوز هذه الحقيقة يجعل من أي حديث عن سلام شامل مجرد شعار سياسي لا يستند إلى أسس واقعية أو عادلة.
