الأنظمة الوطنية التي يُفترض أنها وصلت إلى مواقع الحكم بأصوات الناخبين، وتعمل من أجل بناء البلد ورفاهية الشعب وتقدمه، يجب أن تراجع نفسها، أن تقيّم أخطاءها، أن تعترف بمثالبها وتعمل على تصحيح مسارها، أن تتعلم من ممارساتها ومن أخطاء وإنجازات الأنظمة الأخرى، أن تكون شفافة مع نفسها ومع مواطنيها حتى تستمر في مواقعها، أو تنسحب لصالح غيرها.
لكن النظام الحاكم في العراق، أرجو أن لا تتطيروا من مفردة أو تعريف (نظام حاكم) لأنه مبني على التنظيم والممارسة الصحيحة، يصرّ على أخطائه وتكريسها باعتبارها أسلوباً ناجحاً في إدارة البلد، ولا أقول لإدارة الدولة، ذلك لأن الأحزاب السياسية التي تولت حكم العراق وبعد أكثر من 23 سنة من إزاحة نظام شمولي دكتاتوري لم تبنِ دولة قائمة على مؤسسات رصينة ونزيهة ومهنية وعادلة، بل على العكس تماماً، قامت أحزاب طائفية، شيعية وسنية، بقيادة الحكم وكرست للفساد والتخريب والتمسك بمقاليد السلطة بأية طريقة كانت، والأخطر من هذا أن هذه الأحزاب وقادتها شجعوا على وجود فصائل مسلحة مؤدلجة ولاء أغلبها إن لم يكن جميعها لدولة مجاورة وليس للعراق والعراقيين، مع أنها – نعني الفصائل المسلحة – تم تسليحها وتمويلها من قبل الحكومات العراقية المتتالية والأحزاب المسيطرة على الحكم، وما زاد (الطين بلة) هو شرعنة وجود هذه الفصائل وإشراكها في الانتخابات النيابية ومنحها مناصب رسمية تنفيذية مهمة داخل الحكومة ومجلس النواب.
الدروس المحلية والإقليمية والدولية واضحة، وبإمكان الطبقة السياسية العراقية الاستفادة من إيجابياتها وسلبياتها. هناك حكومات آسيوية وأوروبية وإفريقية أنقذت بلدانها وشعوبها اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وصارت في واجهة الدول المتقدمة، فرضت إجراءات تقشف حقيقية سواء بتخفيض رواتب وامتيازات المسؤولين من رأس الهرم حتى الدرجات الوظيفية العليا، وبيع سيارات المسؤولين وتخفيض مخصصاتهم، وإلى آخره، لكن الحكومة العراقية تصرّ على أن المواطن البسيط يجب أن يتحمل مسؤولية فساد كبار المسؤولين من رواتب خيالية وامتيازات لا مثيل لها ورفاهية غير مسبوقة، من استخدام عشرات السيارات الغالية الثمن لكل مسؤول، والسكن بقصور مترفة، مع تعيين عشرات الأشخاص لحماياتهم، ودفع ملايين الدنانير مخصصات سفر و(نثرية). ويكفي أن نعرف أن رواتب الرئاسات الأربع: الجمهورية والوزراء والبرلمان والقضاء الأعلى تتجاوز الـ 65 مليون دينار شهرياً، وأن نثرية رئاسة الجمهورية تبلغ 4 مليارات دينار شهرياً، ولنا أن نقيس تكاليف ورواتب الرئاسات الأخرى. تلك الرواتب التي تبقى محافظة على قيمتها حتى بعد خدمة 4 سنوات ليس أكثر حين تقاعدهم. وهناك اليوم المئات من المسؤولين من رؤساء جمهورية وبرلمان وحكومة ومستشارين سابقين يتقاضون ملايين الدنانير وهم لم يخدموا البلد لأكثر من 4 سنوات، ناهيك عن من يسمون أنفسهم بالسجناء السياسيين والرفحاويين الذين يتقاضون مليارات الدنانير شهرياً، وهذا هو عين الفساد وبؤرته.
الدروس ماثلة أمام المسؤولين العراقيين الذين يرفضون الاستفادة منها ويزيحون أنظارهم عن نتائج الخراب الذي ألحقه مسؤولون في دول مختلفة وكيف دفع هؤلاء الثمن، سواء من قبل شعوبهم أو الدول العظمى.
لا نبرّئ هنا أخطاء الشعب العراقي في إعادة تدوير المسؤولين العراقيين الذين أمعنوا في الفساد والخراب، ذلك عن طريق صناديق الاقتراع التي تعيد للواجهة نفس الوجوه والأسماء، تلك الصناديق التي تبرئ الفاسدين من جرائم فسادهم، وتعطي الحجج لأسماء بقيت جاثمة على صدور الشعب لأكثر من 23 سنة، باعتبارهم انتُخبوا من قبل الشعب وهم الممثلون الحقيقيون عن العراقيين.
حتى اليوم نجد الفرصة متاحة أمام المسؤولين العراقيين من قادة أحزاب ورؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان ومجلس القضاء، وكلٌّ من موقعه، لإصلاح ما يمكن إصلاحه، حتى ولو تطلب ذلك تضحيات كبيرة بامتيازاتهم، والتراجع عن أخطائهم، لا سيما قبل أن يدركهم الوقت ويبلغ طوفان الغضب الشعبي مداه ويُغرق كل شيء.



