في خضم الانقسام السياسي والتشظي المجتمعي الذي تعيشه سوريا اليوم، يبرز إصرار السلطة السورية الجديدة (المؤقتة) على استخدام مصطلح "الدولة السورية" في بياناتها وتصريحاتها للإشارة إلى نفسها، وكأنها تمثل الدولة بكامل أركانها ومكوناتها. في تقديري، هذا الاستخدام ليس مجرد زلة لغوية أو سوء فهم دستوري، بل يبدو مقصوداً ومدروساً بعناية.
ذلك أن الدولة، بمفهومها الحقيقي، هي ثلاثية الأركان: شعب وأرض (إقليم معين) وحكومة شرعية (سلطة سياسية) تدافع عن مصالح هذا الشعب. ما يعني أن الحكومة ليست سوى جزء من الدولة، باعتبارها الوسيلة أو الآلية التي تمارس الدولة عبرها سلطتها، وهي بمثابة عقل الدولة التنفيذي. ومع أن الحكومة مؤقتة بطبيعتها، حيث يفترض أن تتعاقب الحكومات، تبقى الدولة كياناً أكثر ديمومة وشمولية.
لكن عندما تختزل أي سلطة الدولة في شخصها أو مؤسساتها، فإنها عملياً تعلن احتكارها للدولة ومقدراتها وهويتها. وهذا تحديداً جوهر الانهيار الذي يصيب الدول حين تتحول من فضاء جامع يحتضن الجميع، إلى سلطة فردية أو فئوية تستأثر بالقرار والثروة والرمزية. إلّا إذا كانت تلك السلطة ترى شرعيتها مستمدة لا من الشعب، بل من "الشرعية الثورية" أو "التكليف الإلهي" أو أية حجة أخرى، فتحاول فرض وجودها بلا مساءلة أو قبول شعبي.
منذ عقود طويلة، يعيش السوريون محرومين من عقد اجتماعي حقيقي يضمن وحدتهم كشعب على أرضهم تحت سلطة شرعية تعبّر عن إرادتهم. لقد قدّم السوريون، بمختلف مكوناتهم، الغالي والنفيس في سبيل استعادة دولتهم وكرامتهم المسلوبة. لكن هكذا لا تُورد الإبل؛ فلا يمكن تأسيس دولة حرة كريمة بمجرد استبدال استبداد بآخر، أو باختزال الوطن في خطاب أو راية أو سلطة عابرة. فالدولة لا تُبنى إلا حين يشعر كل فرد بأنه شريك كامل في حاضرها ومستقبلها، كما كان جزءاً أصيلاً من ماضيها وحضارتها.
واليوم، في ظل هذا التاريخ المديد من الحرمان، تنشغل السلطة السورية المؤقتة بترسيخ خطابها اللفظي، بينما تمر سوريا بأسوأ مراحل تاريخها المعاصر: مجازر في جبل الدروز، سبقتها مجازر في جبل العلويين، وقبلها في جبل الكورد (چياي كورمينج). وهنا، على من يسمون أنفسهم "الدولة السورية" أن يدركوا أن أقوى سلاح لحماية وحدة سوريا وسيادتها لا يكمن في الخطابات أو الشعارات، بل في ضمان الحرية والعدالة والمساواة لجميع السوريين أفراداً وجماعات. عندها فقط يصبح الانتماء طوعياً حقيقياً، وتتحول خدمة الوطن إلى فعل نابع من القناعة والكرامة، لا من الخوف أو الضرورة.
أما سياسات الإقصاء والإنكار والاضطهاد، فلن تنتج إلا شعوراً متنامياً باللاانتماء، ذلك الشعور الذي ينخر في جذور الوطن ويجعله هشاً أمام كل طامع ومتدخل.
لعل الصيغة الأدق اليوم هي الاعتراف بأن ما لدينا ليس دولة بعد، بل سلطة مؤقتة أو إدارة انتقالية، دورها التمهيد لعقد اجتماعي جامع وشامل لكل السوريين، يوحّدهم في هوية وطنية تصون التنوع وتحترمه ضمن دولة مدنية تمنح الجميع الحرية والمساواة، وتمنحهم الشعور بالكرامة والطمأنينة. فلا معنى لإعلان الذات "دولة" قبل أن يمنحها الشعب تلك الشرعية، إذ لا سيادة تُذكر بلا عقد اجتماعي عادل.
ويبقى السؤال الأهم: أي دولة نريد؟ دولة تُختزل في سلطة، أم دولةٌ شعبها هو سيّدها ومصدر كرامتها؟
في النهاية، تظل الحقيقة واحدة: الدولة هي الشعب – كل الشعب – أولاً وأخيراً. ومن لا يرى الناس وطناً، فلن يراهم يوماً دولة.



