شخصيات بارزة في المعارضة السورية تناولت المظاهرة الضخمة التي خرجت في إدلب منتصف هذا الشهر ، تنديداً بالقصف الروسي والنظام لأطراف المدينة ، وتحضيرهما لعملية عسكرية واسعة فيها . معظمهم ، أبدوا اعجابهم بهذا الحشد الجماهيري واسترسلوا في فكرة " أن ثورتنا مستمرة رغم القصف وتخاذل العالم معنا منذ سبع سنوات ... " ، وآخرون استبشروا " بحتمية انتصار الثورة السورية " لطالما هناك شعب يخرج من تحت ركام البراميل والقصف الكيمياوي ويملئ الساحات .
يبدوا المشهد جميلا وملهماً للحماس من بعيد وأنت ترى هذه الجموع الغفيرة وسط ساحة لمدينة مهددة بالقصف في أي لحظة ، ولكن عندما تقترب أكثر ، وتمعّن النظر في اليافطات والعبارات المكتوبة فيها ، أو الأعلام المرفوعة بيد المتظاهرين ، عندها ستدرك حجم المأساة والخديعة التي يحاول هؤلاء " القادة المنظّرين " تمريرها مرة أخرى . جلَّ العبارات ، تجد فيها مديحٌ وتعظيمُ سلام لدولة أخرى ورئيسها الذي راهن ومازال على مصير شعبٍ أجبرته وحشية نظامه الديكتاتوري للجوء إلى دولة جارة ، شعارات استفزازية كيدية ضد من يحوم طائراته على رؤوس المتظاهرين، وعبارات لا توحي للقارئ في تاريخ الثورات الحديثة والقديمة للشعوب بأي إشارة إلى النصر الحتمي ، أو إمكانية استعادته لمسار ثورته السلمية المعبّرة فعلياً عن تطلعاته وطموحاته في التغير المنشود .
بُعيد إنطلاقة الثورة السورية بأشهر، وفي بدايات ظهور مؤشرات لإنحراف الثورة عن مسارها الحقيقي ، تناقل نشطاء الحراك الشعبي السلمي همسات تقول : " أن بشار الأسد يمكن ان يسقط ، ولكن لن تنتصر الثورة السورية - لو قبلنا باصلاحات الاسد بدل استعجالنا المطالبة برحيله - الشعب السوري بحاجة إلى دورتين تشريعيتين لمجلس الشعب حتى يؤمن عشرة أشخاص بوزن رياض سيف ومأمون الحمصي تحت قبة البرلمان ، فكيف له تحريك وقيادة الملايين في الشوارع ضد الأسد نفسه ؟!"، كانت هذه الوشوشات مكلفة نوعا ما في حينه ، ولم يحبذ أحد سماعها ومشاهد سقوط مئات الشهداء والجرحى بين المتظاهرين المنادين بالحرية تملئ شاشات التلفزة وتتصدر نشرات الأخبار .
من مارس العمل السياسي المعارض، أو تربى في بيئة مغايرة عن سيمفونية حزب البعث وجبهته التقدمية ، يعلم كيف كانت تدار الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في سوريا منذ أن اعتلى البعث السلطة ، فلم يكن للسوري أدنى هامش لحرية التعبير عن الرأي في اختيار توجهه السياسي أو النقابي أو المدني وهو موظف أو عامل في إحدى دوائر الدولة إلا وإن يكون منتسباً لحزب البعث أو لأحزاب جبهته التقدمية ، أربعة أجيال ولدوا وترعروا وكبروا وهم يهتفون بحياة القائد الواحد " رمز الأمة العربية " و " رمز الثورة العربية " ، أجداد وآباء وأبناء وجدوا في هذا النظام " رمز المقاومة والممانعة "، ومحرر القدس وسائر الأراضي السورية والعربية المحتلة من قبل إسرائيل ، تنظيمات ونقابات وهيئات وبرلمانيين ومدراء دوائر ، وأساتذة جامعات ومفكرين وأدباء وشعراء وحرفيين ورياضيين ، كان الأسدين " مثلهم الأعلى " ومعلمهم ، ومن رحم هذه الحرية والديمقراطية " الملهاة " ولدت الثورة السورية بكل تجلياتها ، وولدت معها جميع التناقضات السيكولوجية في عقل السوري الثائر . لم يكن هناك حراك لأي نشاط سياسي أو مدني معارض خارج سياق المألوف من قبل الغالبية العظمى من السوريين قبل ما يسمى الربيع العربي إلا ما ندر عبر تعاطف لأشخاص محدودين ينتمون لأحزاب معارضة تقليدية مع وقفات احتجاجية لتنظيمات كردية في العاصمة دمشق ، ، وكانت معظمها تودي بأصحابها الى المعتقلات والنفي والتعذيب .
رياح التغيير التي هبت على السوريين من تونس ومصر أوهمتهم بحتمية انتصار ثورتهم وأنْ تجاوزوا نضرائهم باشهر ، ونسمات الحياة الحرة زكت أنوف المتعطشين لنيلها وأبعدتهم عن معرفة المشهد السياسي في هذين البلدين ، فالبسطاء لم يكونوا على دراية بتفاصيل الحياة السياسية وهامش الحرية المتوفرة هناك قبل خروج شبابها إلى الشارع ، و النخبة السياسية السورية المعارضة وبعض رواد ودعاة الحرية والديمقراطية خسروا المعركة قبل أن تبدأ عندما تزاحموا على استلام دفة قيادة الحراك الشعبي السلمي ، فالشعب المصري الذي أسقط رئيسه في سبعة عشرة يوماً منذ أن بدأ بالاحتجاج ، كان له ثماني وسبعون برلمانياً معارضاً في مجلس الشعب ، وجيش لم يكن لحزب المؤتمر الوطني أي يد وسلطة في تحريكه، وقضائه كان نزيهاً ومستقلا وفق معايير فصل السلطات في البلدان العربية ، ولم تكن الحياة السياسية معدومة بالمطلق مقارنة بسوريا . أما تونس ، والتي هرب رئيسها ليلا ، لم تهدأ المظاهرات والاحتجاجات السلمية لأحزابها المعارضة منذ عقود ، والحراك الشعبي العام كان نشطاً وفعالا ومنظماً في الكثير من مراحله متحدياً لنظام بن علي البوليسي في المطالبة بتحسين الوضع الاقتصادي والخدمي ومحاسبة المسؤولين الفاسدين وإشاعة المزيد من الحريات والديمقراطية.
في سوريا ، لم تكن البيئة التي عمل عليها البعث لعقود ، مناسبة لتلدَ ثورة شعبية تطالب بإسقاطه فجأة ، ولم تكن تلك المسيرات النهارية والليلة الإجبارية المنادية بحياة " زعيم الأمة " أن تخلق حالة ثورية حقيقة معارضة بعيدة عن وصاية الأجهزة الأمنية وإرهاب الفصل من الوظيفة والعمل ، ولم يكن لذلك التصفيق الحار تحت قبة البرلمان ابتهاجاً بنجاح الرئيس بنسبة ٩٩.٩٩٪ ، أن يؤسس لخطاب سياسي وطني شامل ، ويهيأ الشارع الذي من المفترض " صوّت له " في التعبير عن حقوقه وقضيته ومطالبه بشكل سلمي حضاري بمعزل عن الانجرار وراء المنافع والغرائز الطائفية والمذهبية .
خسر السوريون ثورتهم ، ولم يخسروا معها ثقافة إنتاج مأساتهم بإرادتهم ، مازالوا متمسكين بإرث دكتاتورهم القديم ، ولا يحبذون فقدانه مع الدكتاتوريات الناشئة . فأي قيمة لتلك الحشود المليونية وهم يتظاهرون في الساحات رافعين صور قاتل السفير الروسي في تركيا الذي أعلن انتمائه لداعش أو القاعدة ، ويافطات كتبت عليها " شكراً تركيا .. شكراً أردوغان ، وبمثل هؤلاء سننتصر " ؟؟!! ، كيف لثورة أن تنتصر وتكتب لها الحياة مجدداً ، وهي فقدت كل معانيها ومدلولاتها خدمةً ووفاءً لأولئك الذين تاجروا بدماء السوريين في الأحلاف الثنائية والثلاثية تمريراً لأجنداتهم وتصديرٌ لأزماتهم الداخلية ؟؟!! .
محال أن ينتصر شعبٌ يعيش في الماضي ، ويتقن فنون تمرير الأكاذيب على نفسه ، وينهض بثورته ويبعث فيها الروح مالم يتقن ثقافة التظاهر والتعبير عن رأيه ومطالبه بمعزل عن الارتماء في حضن هذا السلطان الحالم ، او ذاك الأمير المفسد ، ولن تنتصر ثورته إلا اذا تحرر حاملي رايتها من ولاءاتهم الطائفية والمذهبية والعرقية خدمة لعلم وشعار وقضية واحدة ، وولاءً لهوية تضم جميع الوان الطيف السوري السياسي والاجتماعي والثقافي والديني والعرقي ، عندها سيسقط النظام بثقافته وسياساته وأدواته حتى ولو تحالف معه " اصدقاء الشعب السوري " أيضاً .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية



