في 4-12-2025 أصدرت أميركا وثيقة خاصة بأمنها القومي لعام 2025 التي طغت عليها رؤية إدارة الرئيس دونالد ترمب لمعظم دول العالم. كالعادة هذه الوثيقة، ليست موجهة إلى الداخل الأميركي فحسب، لكن تشكّل مصدراً استراتيجياً للدول والأقاليم والمنظمات، التي تسعى إلى قراءة اتجاهات القوة العظمى الأولى واستباق تداعيات سياساتها.
أميركا ومن خلال هذه الاستراتيجية ترى العالم كله وكأنها ساحةً، بل وفي مرمى المصالح العليا لها، عليه تتعامل مع المعطيات بعدم التساهل مع أي قوة منافسة، مهما كانت حجمها أو فعاليتها، وبطبيعة الحال مع الصين أولاً.
تحمل الوثيقة بوضوح بصمة "ترامبية" - إن صح التعبير - من شأنها أعادت إحياء مبدأ (مونرو) ولكن بصيغة جديدة، حيث يتحول تركيز واشنطن هذه المرة باتجاه غرب المعمورة، وعلى وجه الخصوص أميركا اللاتينية، وذلك من أجل إقصاء أي نفوذ خارجي يُذكر، وخاصة النفوذ الصيني والروسي، والحيلولة إلى عدم تحوّل المنطقة تلك إلى مصدر تهديد أمني أو اقتصادي لأميركا. وفي المقابل، يستمر حضورها في شرق آسيا ومنطقة المحيطين الهندي والباسيفيكي لاحتواء الصين، وتعزيز أدوار الحلفاء الإقليميين، خصوصاً اليابان وكوريا الجنوبية، في دعم تايوان والحد من طموحات بكين.
أما عن حليفها التاريخي - أوروبا - فالوثيقة تُطالَبها بتحمل أعباء ومشاكلها نفسها بنفسها، وأن تترك اعتمادها المفرط على أميركا، مع إرسالها العديد من الرسائل المباشرة والصريحة حول تراجع مكانتها كشريك استراتيجي لأوروبا، والعمل على عدم توسيع حلف الناتو وتقويته. بالمقابل تدعو أميركا من خلال هذه الوثيقة شركائها الأوروبيين بفتح أسواقهم أمام الشركات الأميركية وإعادة النظر في تشريعاتهم الاقتصادية والتكنولوجية.
أما في الشرق الأوسط، هذه المنطقة التي طالما كانت محط أنظار القوى الضخمة وخاصة أميركا، فإن الأخيرة هذه المرة وبحسب وثيقتها، فإنها تعلن عن تراجعها عن مواقفها وسياساتها السابقة وذلك بسبب تراجع أهمية النفط، وضعف النفوذ الإقليمي لإيران، وتغير طبيعة الصراعات في المنطقة برمتها. وعلى الرغم من استمرار المصالح الحيوية مثل أمن إسرائيل والممرات البحرية ومكافحة الإرهاب… الخ، فإن الوثيقة تؤكد التخلي عن سياسات تغيير الأنظمة بالقوة، بل التركيز على الاستقرار، والتعاون الأمني والاقتصادي، والتشجيع على تنفيذ الإصلاحات الداخلية دون فرضها.
إذن، هنا نستطيع القول إن أميركا تريد ومن خلال هذه الوثيقة إعادة تموضع واسع النطاق، وتريد من العالم التكيّف مع سياساتها الجديدة، وذلك في ظل سعيها للحفاظ على نفوذها وقوتها وهيبتها وتفوقها العالمي على المدى البعيد.
