منذ احتلال فلسطين عام 1948، بات الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي رمزاً للتوترات المستمرة في الشرق الأوسط. تكررت الهدنات، التي تعقد بعد كل تصعيد، عشرات المرات على مدار العقود، لكنها غالباً ما فشلت في تحقيق سلام دائم. على الجانب الآخر، شهدت المنطقة تحولات كبيرة، مثل موجة التطبيع العربي مع إسرائيل، التي ألقت بظلالها على مستقبل القضية الفلسطينية. في هذا المقال، نستعرض تاريخ الهدنات، أسباب فشلها، وأثر التطبيع العربي على مسار الصراع، مع تسليط الضوء على الخسائر البشرية والمادية ومواقف المجتمع الدولي.
ولتحقيق ذلك، نتناول الهدنات منذ احتلال فلسطين ضمن المسار الدولي:
1- هدنات ما بعد حرب 1948:
الهدنة الأولى هي التي وقعت بعد قيام دولة إسرائيل واندلاع الحرب العربية -الإسرائيلية الأولى، عام 1949 برعاية الأمم المتحدة بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا ولبنان والأردن، حيث أدت هذه الهدنة إلى تأسيس واقع قائم على تقسيم فلسطين، لكنها لم تحل القضايا الجوهرية مثل حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
2- هدنات انتفاضات الداخل:
انتفاضة الحجارة (1987-1993): التي شهدت محاولات تهدئة عديدة، لكنها فشلت بسبب استمرار الاحتلال والاستيطان. ومن ثم بعد ذلك انتفاضة الأقصى (2000-2005) التي أدت إلى محاولات "هدنة"، لكنها انهارت نتيجة الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى وتوسع الاستيطان.
3- هدنات قطاع غزة:
التي حصلت عام 2008 حيث استمرت لفترة قصيرة بعد الحرب الإسرائيلية الأولى على غزة. بعدها تم الاتفاق على هدنة جديدة 2012 كانت برعاية مصرية، تضمنت وقف القتال، لكنها لم تنفذ بالكامل بسبب استمرار الحصار.
فيما بعد كانت هدنة 2014 التي جاءت بعد حرب مدمرة، إذ استمرت الهدنة نسبيا لكنها لم تمنع تصعيدات متفرقة، ثم هدنة 2021 التي انتهت إلى إبراز حالة هشة من التهدئة لم تدم طويلاً.
4- هدنة 2023-2025:
جاءت هذه الهدنة بعد حرب طويلة في قطاع غزة استمرت خمسة عشر شهراً، وانتهت برعاية قطرية ومصرية وأميركية. تضمنت أبرز بنودها تبادل أسرى ووقف إطلاق نار مرحلي، مع تعهدات بإجراء مفاوضات إضافية لتخفيف الحصار وإعادة الإعمار، إلا أن التنفيذ قد يواجه تحديات ميدانية بسبب غياب ضمانات دولية حقيقية لالتزام الأطراف ببنودها.
عدد "الفيتو" في مجلس الأمن
استخدمت الولايات المتحدة خمسة واربعون فيتو حق النقض: منذ عام 1948، لمنع صدور قرارات تدين إسرائيل. كان من أبرزها : فيتو عام 2011، ضد قرار يدين الاستيطان في الضفة الغربية. ثم فيتو عام 2018: ضد قرار يطالب بحماية الفلسطينيين من العنف. ولابد من الإشارة إلى الخسائر البشرية والمادية طوال هذه الفترات :
فمنذ عام 2000، قتل أكثر من 15,000 فلسطيني وأصيب عشرات الآلاف، معظمهم من المدنيين. في الحرب الأخيرة (2023-2025). كان من الفلسطينيون: أكثر من 156,000 بين قتيل وجريح، معظمهم من النساء والأطفال.
ومن الكيان الإسرائيلي: 1,200 قتيل و94 أسير .
أما الخسائر المادية، فقد تم في قطاع غزة تدمير 60% من البنية التحتية. حيث تشير التقديرات الأولية إلى ان الخسائر قد تجاوزت 20 مليار دولار.
الكيان الاسرائيلي كذلك تعد خسائره كبيرة في المرافق الحيوية، إضافة إلى كلفة العمليات العسكرية، حيث ألقت الأزمة الاقتصادية بظلالها على غزة، اذ بلغت نسبة البطالة أكثر من 50% بسبب الحصار والدمار. يذكر ان تكلفة إعادة الإعمار تتجاوز قدرات الاقتصاد الفلسطيني، ما يجعل القطاع يعتمد على المساعدات الدولية.
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: لماذا تنهار الهدنات وما سبب الغياب المستدام لفواعل تحقيق السلام؟
يعتبر ان احد هذه الأسباب هو (استمرار الانتهاكات الإسرائيلية). التي تستغل الهدنات لتوسيع الاستيطان وفرض سياسة الأمر الواقع. والسبب الآخر هو (غياب الثقة). حيث يرى الفلسطينيون في الهدنات وسيلة لاستمرار الاحتلال، بينما ترى إسرائيل في المقاومة خطراً دائماً.
يكشف لنا التاريخ السياسي لقضية فلسطين وصراع دول المنطقة حول القضية الجوهرية، ان أساس المشكلة يكمن في تجزئة الحلول. حيث يتم التعامل مع القضية الفلسطينية كملف إنساني أو أمني دون معالجة الأسباب الجذرية، مثل حق العودة وإنهاء الاحتلال. فضلاً عن الدعم الدولي لإسرائيل، ونموذجه الدعم الأميركي الذي يشجع إسرائيل على تجاهل القرارات الدولية.
عوامل استدامة الهدنة
إذا كانت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي يسعيان إلى إنهاء الصراع القائم حول القضية الفلسطينية وانهاء احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، فإنه من المفترض أن يبدأ ذلك بإنهاء الحصار ، لا سيما الحصار المفروض على على قطاع غزة، حيث يعد الحصار سبباً رئيسياً للتصعيد. بالإضافة إلى ذلك ينبغي وجود ضامن دولي، من جهة محايدة تراقب الالتزام ببنود الهدنة. كذلك حل القضايا الجوهرية مثل حق العودة ووقف الاستيطان. وتوافق الأطراف من خلال التزام فلسطيني وإسرائيلي حقيقي بشروط الهدنة.
أثر التطبيع العربي - الإسرائيلي على القضية الفلسطينية
1- موجة التطبيع الجديدة: التي بدأت باتفاقيات إبراهيم (2020)، وشملت الإمارات، البحرين، المغرب، والسودان. هذه الدول بررت التطبيع بأنه خطوة لتعزيز السلام، لكنه تجاهل المطالب الفلسطينية.
2- أثر التطبيع: ادى إلى توفير دعم سياسي لإسرائيل
حيث يبدو واضحاً جداً أن إسرائيل استغلت التطبيع لتحسين صورتها دولياً، في ظل تراجع الموقف العربي الموحد، مما أضعف من الدعم الرسمي العربي للقضية الفلسطينية. ومن المهم الإشارة إلى الانعكاسات الداخلية لهذا التطبيع، والتي تمثلت في غضب شعبي واسع داخل الدول المطبعة نتيجة تجاهل القضية الفلسطينية. إذن لابد لنا من البحث عن المستفيد من استمرار الصراع.
1- إسرائيل: من خلال توسع المستوطنات والسيطرة على الأراضي الفلسطينية.
2- الولايات المتحدة: من خلال تعزيز نفوذها في المنطقة بحماية إسرائيل.
3- أنظمة وحكام دول: من خلال توظيف القضية الفلسطينية لإلهاء الشعوب.
ما هو موقف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي؟
تبدو الأمم المتحدة عاجزة عن القيام بدورها الحقيقي والمحوري في فض النزاعات وإنهاء الصراعات. فعلى الرغم من تبنيها قرارات مهمة مثل القرارين 242 و338، إلا أن غياب آليات التنفيذ الفعّالة جعلها غير قادرة على فرض حل عادل وشامل.
أما المجتمع الدولي، فيتسم بغياب الإرادة السياسية الحقيقية لحل الصراع، مع انحياز واضح من القوى الكبرى لصالح الكيان الإسرائيلي، مما يزيد من تعقيد القضية ويطيل أمد الصراع دون تحقيق أي تقدم ملموس.
نخلص من كل ما سبق إلى أن الهدنات المتكررة في الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي تعكس إدارة مؤقتة للأزمة، لا حلاً جذرياً لها. فاستمرار الصراع يخدم مصالح إسرائيل وحلفاءها، بينما يدفع الفلسطينيون الثمن الأكبر من حياتهم، وأرضهم، ومستقبلهم.
ومما يزيد الأمر تعقيداً أن موجة التطبيع الأخيرة أضعفت الموقف العربي الرسمي، لكنها في الوقت نفسه أكدت أن القضية الفلسطينية لا تزال حية في وجدان الشعوب العربية. لتحقيق سلام مستدام، لابد من معالجة جذور الصراع عبر إنهاء الاحتلال وتحقيق العدالة. دون ذلك، ستظل الهدنات مجرد فواصل قصيرة في دورة لا تنتهي من العنف والمعاناة.



