ليس ما نراه اليوم مجرد تبادل صواريخ أو جولة مفاوضات عابرة، بل هو مشهد جديد من صراع خفيّ لإعادة رسم قواعد اللعبة في الإقليم بعدما سقط السقف على العالم يوم انهار الاتحاد السوفيتي، وظلت الأوتاد - وفي مقدمتها إيران - ثابتة وسط عواصف الحصار والحرب، بينما يحرك الرئيس الأميركي دونالد ترمب خيوط هذه الفوضى بسياسة الغموض المدروس التي يجيدها أكثر من أي زعيم أميركي قبله.
فمنذ أن انسحب من الاتفاق النووي قبل سنوات، شدّد الخناق الاقتصادي حتى أوصل إيران إلى حافة التحمل القصوى، ثم عاد اليوم ليمنح إسرائيل ضوءاً أخضر بلا سقف لتضرب العمق الإيراني بلا تفويض أممي ولا خطوط حمراء واضحة. وبينما تصرّ مديرة الاستخبارات الأميركية على أن إيران تحتاج ثلاث سنوات كاملة لصناعة رأس نووي لو قررت ذلك الآن، يظهر نتنياهو ليهدم هذه الرواية ويؤكد أن طهران قادرة على إنتاج رأس نووي خلال ستة أشهر فقط، في رسالة واضحة مزدوجة: لا وقت أمام التفاوض ولا سقف أمام التصعيد.
وسط هذا المشهد، لا يمكن إغفال ما يقوله التاريخ القريب: إن سقوط الاتحاد السوفيتي أسقط السقف على العالم فتداعى التوازن وارتجّت خرائط النفوذ، وإذا سقطت إيران اليوم فإن الأساسات نفسها ستتشقق تحت أقدام الإقليم وسيُعاد نحت الشرق الأوسط بحديد ونار وخرائط مؤقتة لا تعرف الاستقرار. ولعل ما يزيد هذه المعادلة تعقيداً أن إيران لم تكن لاعباً إقليمياً هامشياً فحسب، بل تحولت إلى ذراع قتالية وتقنية متقدمة لصالح موسكو في حرب أوكرانيا، إذ زودت روسيا بآلاف المسيّرات من طراز شاهد، وأرسلت خبراء ومهندسين يشرفون ميدانياً على خطوط إنتاج هذه الطائرات في العمق الروسي، لتصبح جزءاً من موازين الاشتباك ضد الناتو على الأرض الأوكرانية.
ومع ذلك، حين اشتدت الضغوط عليها في هذه الحرب المفتوحة مع إسرائيل، جاء الموقف الروسي باهتاً لا يرقى حتى إلى مستوى الموقف الباكستاني الذي أبدى تضامناً أكثر وضوحاً مع طهران، واكتفى بوتين بتكرار عبارة باردة: نحن نقدّم أفكاراً للحل ولا نتدخل كضامن مباشر. هكذا تدفع إيران كلفة شراكتها التقنية مع موسكو بينما موسكو تحسب أرباحها بهدوء دون أن تخسر جسرها مع الغرب أو تحترق بجبهات جديدة خارج أوكرانيا.
في الميدان، تدير طهران أوراقها بثلاث مراحل واضحة: بدأت بمرحلة فرض توازن الردع بصواريخ مكثفة أربكت تل أبيب في الساعات الأولى، ثم دخلت في مرحلة امتصاص الضربات مع احتواء الخسائر بحدها الأدنى، وها هي الآن في مرحلة تقنين الصواريخ مقابل دقة انتقاء الأهداف لحفظ مخزونها الستراتيجي وإطالة زمن المناورة إذا فُرض عليها أن تبقى في الميدان وحدها لأشهر قادمة.
وعلى الهامش، لاتزال الترويكا الأوروبية تكتفي برسائل عامة وتصريحات باهتة لا ترقى إلى مستوى مبادرة مكتوبة تضمن هدنة فعلية بضمانات صريحة وحقوق متبادلة، مع أن الجميع يعرف أن لا حل سيتحقق بالقصف وحده ولا بالاستسلام المطلق.
إن الخروج من هذا المأزق يمر من بوابة اتفاق مرحلي متوازن: تجميد البرنامج النووي بشروط واضحة، تنظيم القدرات الصاروخية في إطار دفاعي لا هجومي، تقديم التزامات اقتصادية حقيقية تقي الاقتصاد الإيراني من السقوط الحر، وضمان عدم العبث بالعمق السياسي لدولة تدرك جيداً أن سقوطها ليس سقوط نظام فحسب بل زلزال سيشق الخرائط من جديد. إن لم تبادر الترويكا اليوم إلى هذا المسار فلن تجد غداً ما تتفاوض عليه سوى العدّ التنازلي للضربات وهي تمر فوق أنابيب الغاز وممرات النفط. وإيران رغم معرفتها بأن ما يُطلب منها مستحيل التحقق بلا مقابل عادل، ترفض أن تقول (لا) قاطعة حتى لا تمنح خصومها ذريعة لحرب مفتوحة، لكنها تترك الباب موارباً لعل العقل يُسمع صوته قبل أن تسقط الأساسات ويتكرر سقوط السقف على رأس المنطقة كلها، وحينها لن ينفع أحد حديث التنديد ولن يتبقى في يد أحد خرائط مستقرة لسنوات طويلة قادمة.



