تُعَرف الفوبيا بأنها "الخوف الشديد والرهاب غير العقلانيّ أو الغير منطقي من كائن معين، أو وضع ما" وعادة ما تكون الفوبيا نتيجة تجربة شخصية فردية بحتة يمر بها الإنسان في ماضيه، هذا على الصعيد الشخصي الفردي، أما على الصعيد العام والإعلامي فيبدو أن صناعة الفوبيا قد أصبحت صناعة رائجة في هذه الأيام وما يهمنا في هذا المقال هو انشغال بعض القوى والمؤسسات بصناعة (الكردوفوبيا) حيث أن هذه المؤسسات التابعة لدول وأجندات لا تريد الاستقرار للشرق الأوسط وخاصة لمكوناته وأقلياته القومية والدينية بل تريدها في حالة صراع دائم لما تقتضيه مصالحها ومطامعها التاريخية التي أسست لها منذ أمد بعيد والتي تجاوز عمرها قرناً من الزمن!.
كمتابع يومي للشأن الدولي والأقليمي والمحلي وكطالب دكتوراه في السياسة والعلاقات الدولية دراستي تقتضي علي التركيز على الأقليات "المكونات" المسيحية في الشرق الأوسط وخاصة في العراق وإقليم كوردستان، وفي خضم هذه المتابعة اليومية استوقفتني جهود منظمة وحثيثة واحترافية شغلها الشاغل شيطنة الكورد، شعباً وحكومة وقيادة، جهود رامية لإظهار الكورد كوحش كاسر يفترسون من حولهم أو بينهم من أقوام كالكلدان السريان الاشوريين والتركمان والعرب!، جهود تصور الكورد جلاداً وسيافاً عتياً في الشرق الأوسط!.
بداية وقبل أن أبدأ بمقالي المقتضب هذا، أود أن أوضح نقطة واحدة، أنا لست كوردياً، أنا كلداني سرياني اشوري، وأنا أحد أبناء الكنيسة الكلدانية الكاثولكية .. ابن كنيسة المشرق، أحد أقدم وأعرق الكنائس في العالم، هذا انتمائي القومي والديني، أعيش في مسقط رأسي في بلدة عنكاوا العريقة التي تعتبر أكبر تجمع مسيحي في العراق وإقليم كوردستان، يتوسط مدينتي تل أثري يعود تاريخه لأكثر من خمسة آلاف سنة خلت شهد تاريخ السومريين والاشوريين والكلدان والبابليين، تقف بجانب هذا التل شامخة كنيستي القديمة (كنيسة مار كوركيس) التي يعود تاريخها إلى فجر المسيحية شاهدة على عمق التواصل التاريخي المسيحي والقومي في مدينتي التي تجاور عاصمة إقليم كوردستان العراق أربيل، الإقليم الذي أقره الدستور العراقي الدائم ككيان فدرالي رسمي.
في حياتي اليومية، أعيش مع إخوتي الكورد الذين يمثلون الأغلبية الساحقة في أربيل بصورة طبيعية جداً، فبائع الخضراوات والفواكه المتجول الذي ابتاع منه جزءاً مهماً من طعام مائدتي كوردي، والبروفيسور الذي يدرسني في الجامعة كوردي، وزميلي في العمل كوردي وشرطي المرور البشوش الذي أسلم عليه يومياً في طريقي للعمل كوردي، والبيشمركة الذي استشهد قبل سنتين في الجبهة ضد داعش الإرهابية ليحمي أربيل وسكانها بكل انتمائتهم الدينية والقومية كوردي، وبالمناسبة، صديقي الأقرب الذي يشاركني كأس الفودكا والعرق في أغلب السهرات مع الأصدقاء، كوردي أيضاً!.
يقول ربنا يسوع المسيح له المجد في الإنجيل المقدس:
"مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً،لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً" ( متي 7 /16-18 ).
فإن كان الكورد كشعب يستعدون القوميات الأخرى وخاصة المسيحيين الكلدان السريان الاشوريين والأرمن والأقليات أو المكونات الدينية والقومية في إقليم كوردستان لماذا نزحت الأغلبية العظمى من المسيحيين إلى إقليم كوردستان بعد استهدافهم في العراق بعد 2003 ؟، وكذلك فعل الصابئة المندائيون والبهائيون والكاكائيون والعرب السنة وغيرهم؟.
فحسب الإحصائيات الرسمية التي نشرتها الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة في كتيبها الصادر سنة 2015 قد أوردت بالأسماء الكاملة استشهاد 1174 مواطن مسيحي كضحايا إرهاب بينهم رجال دين استهدفوا في وسط وجنوب العراق بين 2003-2014 فقط ثلاثة منهم هم ضحايا الإرهاب في الإقليم !، وأيضاً ونفس المصدر يوثق بصورة لا تقبل الشك التعدي على أكثر من (114) كنيسة ومزار مسيحي في وسط وجنوب العراق في نفس الفترة الزمنية مع ذكر ثلاث حوادث متفرقة فقط حدثت في الإقليم!، طبعاً هذه الإحصائات كلها قبل داعش وقبل تدمير الكنائس في الموصل وسهل نينوى ونزوح قرابة 150 ألف مسيحي الى مدن وقرى إقليم كوردستان هروباً من بطش تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية!.
أليست هذه هي الثمار التي يتوجب من خلالها أن نحكم على نوع الشجرة؟.
إذاً أين ذلك الوحش الكوردي الذي يجب أن نخاف ونتوجس منه؟.
من يصنع هذه الكوردوفوبيا بهذه المنهجية والاحتراف؟، ولماذا؟.
قبل أيام تابعت تقريراً لإعلامي لبناني اسمه إيلي ملكي بعنوان (آخر المسيحيين) من إنتاج الـ(بي بي سي عربي) واندهشت من عدم حيادية هذا التقرير الوثائقي، والذي يمكن تصنيفه تحت خانة صناعة الكوردوفوبيا، فهذا الإعلامي إن كان يعمل حسب تعليمات مؤسسته فهذا يعني أن مؤسسته قد فقدت حياديتها هذه المرة ! وإن كان يعمل حسب قناعاته الشخصية فقد جار وظلم الحقيقة ولم يكن حيادياً البتة، فيبدو أنه كان متواجداً في كوردستان وفي دهوك تحديداً، فلماذا لم يتحدث عن الحياة في قرى شعبنا في دهوك وزاخو والعمادية ولماذا لم يزر أبناء شعبنا في شوارع دهوك أو أربيل أو السليمانية؟، لماذا لم يزر السلطة القضائية في الإقليم ليتعرف على نزاعات الملكية هل هي بين مسيحيين ومسلمين فقط أم بين مسلمين ومسلمين وبين مسيحيين ومسيحيين وبين إيزيديين وإيزيديين ... إلخ، هل نسي، أم تناسى دور الحكومات العراقية والإيرانية والتركية عبر الزمن وسياستهم الجائرة بالتعامل مع الكورد والكلدان السريان الاشوريين والتركمان على حد سواء ؟ لماذا لم يتحدث حول كل المعلومات التي ذكرت نزراً يسيراً منها أعلاه، هل البي بي سي تريد أن تصبح مشاركة في صناعة الكوردوفوبيا ؟ أم أنها غلطة شاطر؟.
أسئلة مباشرة تحتاج لإجابات صريحة ومباشرة، فإن هذه الحملات وغيرها من المحاولات الأخرى التي تهدف لصناعة (الكوردوفوبيا) ازدادت حدتها قبيل الاستفتاء على استقلال إقليم كوردستان وقلت بعد ذلك وتيرتها، ثم عادت وازدادت حدتها مرة أخرى بعد الفوز الكاسح لمؤيدي الاستفتاء في الانتخابات البرلمانية على المستويين العراقي والكوردستاني ويمكننا تفسيرها كما يلي:
*الأسباب والأهداف وراء صناعة الكوردوفوبيا:
أ – إضعاف حالة السلم الأهلي وحالة التعايش المشترك القومي والديني وشق اللحمة الوطنية بين أبناء الشعب كوردستان بمختلف انتمائاتهم القومية والدينية داخلياً والتي هي أحد أهم أسباب قوة وازدهار كوردستان.
ب- تشويه سمعة حكومة وقيادة إقليم كوردستان دولياً وإقليمياً والتي تعد أحد أهم أسباب قوة كوردستان في المحافل الدولية والإقليمية.
ج- محاولة لذر الرماد في عيون المجتمع الدولي للتغطية على الممارسات القمعية لبعض الأنظمة والدول الإقليمية والمحلية بحق المكونات والأقليات القومية والدينية داخل حدودها والتي احرجها التعايش المشترك في كوردستان!.
د- محاولة لوأد نتائج الاستفتاء الجماهيري الذي دعمته الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الكوردستاني بمختلف انتمائاتهم القومية والدينية.
هـ- محاولة لزعزعة الكيان الدستوري لإقليم كوردستان العراق وإحراج موقفه حول حقوقه المشروعة حسب المادة 140 الدستورية.
*الجهات الراعية لصناعة الكوردوفوبيا:
أ- الدول والقوى الإقليمية التي ظلمت وقمعت الشعب الكوردستاني لعدة عقود وتعاني من مشاكل جمة داخل حدودها تريد تصديرها للخارج من خلال أجهزتها المخابراتية والإعلامية وخاصة بأسلوب الحرب بالوكالة.
ب- العقلية الدكتاتورية والطائفية الأحادية اللون في العراق التي لا تريد خيراً لا للعراق ولا لكوردستان وتريد إرجاع هذا الوطن لزمن الدكتاتورية العسكرتارية من خلال استخدام (جحوش) بموديل جديد ضد أبناء جلدتهم كما عمل النظام الصدامي المقبور من قبل.
ج- بعض الأحزاب والقوى الكوردستانية وبمختلف انتماءاتها القومية والدينية التي تصفرت وخسرت جماهيريا في الانتخابات وتبحث عن فوز معنوي في الفضاء الإعلامي والإلكتروني والورقي، أحزاب وقوى تريد أن تدمر التعايش المشترك والاستقرار لتنتعش على أطلاله، لأنها تزدهر فقط في وقت النزاعات والتصادمات وتجف وتضمر في حالة الاستقرار والهدوء وهذا خلل بنيوي فكري في عقلية هذه الاحزاب والتنظيمات.
د- قوة دولية رسمت خارطة هذا الشرق قبل أكثر من مئة عام وكانت سبباً في زرع الحقد والظغينة والتحارب بين مختلف شعوب المنطقة في سبيل مصالحها ومطامعها واليوم حالة التعايش المشترك الديني والقومي في كوردستان تعتبرها تهديداً لإرثها التاريخي المقيت وللجغرافية التي رسمتها في المنطقة.
*الطرق والسبل لمواجهة صناعة الكوردوفوبيا:
أ- تعزيز لحمة وقوة الصف الوطني الكوردستاني من خلال تحقيق وترسيخ الشراكة الحقيقية لمختلف أبناء الشعب الكوردستاني بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية في صنع القرار السياسي وتمثيلهم العادل في التشكيلة الحكومية والمؤسسات على مختلف مستوياتها.
ب- تمثيل مختلف أبناء الشعب الكوردستاني بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية في ممثليات حكومة إقليم كوردستان في الخارج بصورة تعكس حقيقة كوردستان وغناها القومي والديني.
ج- حل الجزء المتبقي من المشاكل العالقة حول نزاعات الملكية للأراضي والعقارات من خلال تشكيل لجان حكومية وبرلمانية مشتركة من مختلف أبناء الشعب الكوردستاني بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية خلال فترات زمنية محددة وإزالة العراقيل البيروقراطية.
د- تقديم من تثبت عليه تهمة زعزعة السلم الأهلي والتعايش المشترك في كوردستان للمحكمة والقانون ومقاضاة الجهات الخارجية حسب ما يقتضيه القانون الدولي وحسب الأدلة والبراهين.
ه- تعديل القوانين وخاصة قوانين الأحوال الشخصية ومناهج التعليم بما يضمن كافة الحقوق الدينية والمدنية والتمثيل العادل لجميع المكونات القومية والدينية للشعب الكوردستاني.
و- تعديل مسودة دستور إقليم كوردستان لتكون أساسا لدولة مدنية والابتعاد عن الأخطاء التي وقع فيها المشرع العراقي سنة 2005 .
ي- مخاطبة المجتمع الدولي من خلال مؤسسات مهنية حقوقية وإعلامية وتمكينها بكفاءات مناسبة تقدر من خلال عملها أن تعكس الصورة الحقيقية للتعايش المشترك في كوردستان.
في النهاية أذكر جملة لطالما أرددها في كتاباتي: "كوردستان ليست فردوساً أو جنة أفلاطونية"، ولكنها فردوسنا نحن، ملاذنا الآمن ووطننا وأرضنا الحبيبة، الأرض والوطن الذي سيعيش فيه بناتنا وأبناؤنا من بعدنا، فأي وطن نريد أن نورثه للأجيال القادمة؟.
وطن يزخر بالازدهار والاستقرار والسلم الأهلي والتعايش المشترك والثقة المتبادلة؟، أم وطن متزعزع ومليء بالصراعات والنزاعات؟
كوردستان اليوم هي جزء صغير من جغرافية إمبراطورية ودولة بناها آباؤنا وأجدادنا في بابل وآشور قبل آلاف السنين، إذاً هي أرضي ووطني كما هي وطن وأرض أخي الكوردي والتركماني والعربي والأرمني، إنها وطننا جميعاً، هذا الوطن الذي حمانا بيشمركته الأبطال بمختلف انتماءاتهم الدينية والقومية من بطش داعش وقدموا أرواحهم الطاهرة دفاعاً عنه، وكما قدم آباؤنا الدم كبيشمركة في الأمس القريب نضالاً ضد الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة، وكوردستان اليوم التي نعيش فيها آمنين جاءت نتيجة لبحور من الدم وجبال من التضحيات الجسام وصونها قوية موحدة هي مسؤولية تاريخية على جيلنا والتي يتوجب أن نورثها أكثر منعة وقوة وتلاحماً وازدهاراً للجيل القادم من أبناء هذا الوطن وهذه الأرض المباركة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



