لقد كان شرفًا لي أن أدعو السليمانية وطني منذ عام 2011. أشعر أن يومي الأول في التدريس بالجامعة الأمريكية في العراق ـ السليمانية (AUIS) كان بالأمس فقط، لكن خمسة عشر عامًا قد مرّت. طلابي الأوائل اليوم غارقون في مسيرات مهنية مذهلة: بعضهم يعمل الآن زملائي، بعضهم تزوّج، وبعضهم لديه أطفال رائعون. في أول مقابلة لي للانضمام إلى هيئة التدريس، أخبرني أحد الموظفين أن السليمانية سمّت شوارعها بأسماء الشعراء. فقلت في نفسي: "هذا كل ما أحتاج أن أعرفه، هنا مكاني". وبالفعل، تجاوزت المدينة كل توقعاتي.
في أسابيعي الأولى، التقيت الشاعر شيركو بيكهس في مكتبه بدار سردم للنشر. كان يرتدي سترة بيضاء مع وشاح أحمر، يشعل سيجارة بأخرى، ويطلق النكات الواحدة تلو الأخرى — كلها تحمل عمقاً جادًا رغم خفتها. إنها الطريقة الكوردية: أن تمزح وأن تتحدث بأقصى جدية في الوقت نفسه. وعندما استضفناه بعد أسابيع في الجامعة لإحياء أمسية شعرية، ألقى قصائده كما لو كان أسدًا: يزأر ويمشي بخطوات جدية، ويرمي الأوراق من المنبر بعد كل قصيدة. لطالما حلمت بمثل هذا الشغف العارم بالأدب، ورؤيته أمامي أدهشني وأبهرني.
بعد ذلك بأسابيع حضرت أمسية الشاعر عبدالله پاشيو في جامعة السليمانية. كان الفتيان يجلسون ثلاثة في مقعد واحد: واحد على الكرسي واثنان على ركبتيه. أما الفتيات فجلسن متشابكات كأزهار برية متفتحة. في قاعة لا تتسع إلا لبضع مئات، كان الحضور بالآلاف. الجمهور كان يحفظ عن ظهر قلب كل قصيدة يلقيها پاشيو. وفي لحظة ما، داعب شاباً من الحضور قائلاً: "تعال يا صديقي، خذ لحيتي واعتلِ المنصة لتلقي بدلاً عني، أريد أن أستريح!" ذلك الشعور بالمشاركة، والفخر والانتماء الذي يكنّه الجمهور لشاعره، كان شيئاً لم أره من قبل كوني شاعرًة أمريكية.
في وطني الأم، أصبح الشعر نخبوياً، مقتصراً على القلّة. يهاب القرّاء حتى من الاقتراب من النص. الاحترام لفن دقيق تحوّل إلى شيء مؤسف: الخوف. لمن يتحدث الشعراء الأمريكيون؟ لم يعد واضحاً. لكن لمن يتحدث الشعراء الكورد؟ الجواب واضح وجميل: للشعب الكوردي. والشعب الكوردي منصت.
هذا أمر سحري: مدينة يتوق قراؤها لكلمات شعرائها. مدينة يعرف فيها الشعراء مَن يخاطبون، ويثقون أن قراءهم بانتظارهم، منصتون حتى لصمتهم. يا له من أمر ثمين، ويا له من أمر هش في الوقت نفسه، كما أخبرني عبدالله بنفسه.
وإذا كانj كوردستان قد علمتني شيئاً، فهو أن ما يبدو هشاشة، يمكن أن يُرى من زاوية أخرى على أنه صلابة.
العمل بمسؤولية مع الأدب في كوردستان يعني العمل مع الحفظ. في (كشكول)، مركز الفنون والثقافة في AUIS، نقول: "الإبداع بلا حفظ نسيان؛ والحفظ بلا إبداع تحنيط".نحن نؤمن أننا موجودون لنتعاون مع المكرّسين للحفظ ونضخّم جهودهم، مثل رفيق وصادق صالح، من مؤسسي مؤسسة أرشيف ژين، والشيخ محمد علي القرداغي.
على مدى خمسة عشر عامًا، كانوا أساتذتي. الشيخ محمد علي القرداغي علّمني معنى وتاريخ كلمة (كشكول). ومن أبحاثه وكتاباته استلهمنا اسم منظمتنا.
الكشكول المادي كان sustenance للفقراء. أما الكشكول المجازي، دفاتر العلماء، فكان يجمع كل ما يحتاجه الخيال ليزدهر. ومع نفي الكورد في القرن التاسع عشر داخل أراضيهم، كما كتب نالي: صار الوجود لا-وجودًا، وجد المثقفون والفنانون وطنًا في كشكولهم. لا أحد يستطيع أن ينزعه منهم أو يدنسه. كان بإمكانهم أن يخلقوه ويعيدوا خلقه ويشاركوه بلا حدود. لقد كان وطناً يمكن أن يوجد حتى في المنفى، حتى في قلب الحزن واليأس.
واليأس كان سمة من سمات الحياة الكوردية في القرن التاسع عشر. في كتاب المنفى وصول، وهو مختارات من الشعر الصوراني في القرن التاسع عشر الذي أعددته مع زميلتي العزيزة شني محمد، يكتب كوردي: "أهو الانقلاب الشتوي أم ليل بلا قمر؟ / عيناي بلا نور". ويشكو أنه "يعيش بين السجن والطاحونة". ويواسيه نالي: "كل شيء احترق… لم يبقَ سوى ركن الصلاة والصبر". لكن، بفضل التصوف، حوّل الشعراء الكورد حتى اليأس إلى معنى. في العيش بالحنين والانتظار، منحونا الاتحاد والصفاء. كتب سليم عن محبوبته — التي قد تكون جسدًا أو إلهًا أو فكرة أو وطنًا: "ما حييت زرعت أشواكًا في قلبي، آملًا / أن تلتقط ثوبك إذا زرت قبري بعد موتي". الحياة الكوردية مزيج من التناقضات، والقدرة على احتضانها في الجسد الفاني، قد تكون سبيلنا جميعًا إلى الأمام.
هل هي قدرة؟ أم هي خيار؟ خيار يتخذه العاملون في ميادين الإبداع والحفظ يوميًا، بل مرات عديدة كل يوم؟
أرشيف ژين في قلب السليمانية يملأ اليوم حيًا كاملاً. لكنه بالنسبة لمؤسسيه رفيق وصادق صالح ليس الأول بل الثالث. طوال عشر سنوات من عملي مع الحافظين في العراق، أجريت مقابلات معهم ستنشر قريبًا في كتابي الحفظ تحت النار. حكى لي رفيق وصادق كيف كان الخوف رفيقهم الدائم وهم يبنون مكتباتهم، وكيف أحرقت الأولى والثانية، وكيف حملوا حزنهم علناً لكنهم رفضوا الاستسلام. قال رفيق: "حمل السلاح ليس الطريقة الوحيدة لخدمة الوطن".جوهر عملنا أن نملك الشجاعة لنبدأ من جديد كل مرة.
هذه القصص الكوردية إنما توضح القصة الإنسانية العالمية.
هناك لحظات كما يكتب كوردي، "لا نستطيع تفسير حالنا"، حين يضغط علينا الحب بعنف لنخدمه. في تلك اللحظات، لا سبيل إلا أن نستجيب لدعوته: أن "نفتح أعيننا وآذاننا باحثين عن الطريق / نحو نباح الكلاب أو بريق النار. كما يخبرنا نالي: "علينا أن نواصل السير في درب البقاء المظلم، طلاب في مدرسة المعنى".
فلتأخذوا هذه دعوتي، ودعوة كشكول الحارة، لتنضموا إلينا كطلاب للمعنى في المنتدى الأول للدراسات الكوردية، من 25 إلى 27 أيلول، في الجامعة الأمريكية في العراق ـ السليمانية.
*ألانا ماري ليفنسون-لابروس شاعرة وتدرس في الجامعة الأمريكية في العراق، السليمانية (AIUS)



