تعيش الولايات المتحدة الأميركية منذ مطلع تشرين الأول 2025 حالة إغلاق حكومي هي الأحدث في سلسلة طويلة من الأزمات المالية والسياسية التي تعصف بالحكومة الفيدرالية، نتيجة إخفاق الكونغرس في إقرار قانون التمويل للسنة المالية الجديدة. وقد أثار هذا الإغلاق مخاوف واسعة من انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية، ومن تأثيره على صورة الولايات المتحدة ومكانتها الدولية.
يُعرف الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة بأنه التوقف المؤقت لعمل مؤسسات ووكالات الحكومة الفيدرالية بسبب عدم موافقة الكونغرس والرئيس على ميزانية الدولة أو قوانين الإنفاق المطلوبة. ويبدأ الإغلاق عادة في الأول من تشرین الاول من كل عام، وهو موعد بداية السنة المالية الأميركية.
وتعود جذور هذه الظاهرة إلى عام 1980 حين شهدت إدارة الرئيس جيمي كارتر أول تعطّل رسمي لبعض الوكالات الفيدرالية لعدم تمرير المخصصات المالية. ومنذ ذلك التاريخ، شهدت البلاد أكثر من عشرين حالة توقف للتمويل، كان أطولها الإغلاق الذي استمر خمسةً وثلاثين يوماً بين كانون الأول 2018 وكانون الثاني 2019 خلال إدارة الرئيس دونالد ترمب.
تُعزى أسباب الإغلاق عادة إلى الخلافات الحزبية داخل الكونغرس بشأن أولويات الإنفاق أو بنود الموازنة، وليس إلى نقص في الموارد المالية. وغالباً ما يتخذ الحزبان الجمهوري والديمقراطي من الموازنة أداة للضغط السياسي، كما حدث في الإغلاق الحالي عندما فشل الطرفان في التوصل إلى اتفاق حول مستويات الإنفاق على البرامج الاجتماعية والأمنية.
وأشارت تقديرات مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض إلى أن استمرار الإغلاق يؤدي إلى خسارة نحو 15 مليار دولار أسبوعياً من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.
وأن نحو 750 ألف موظف فيدرالي أُرسلوا إلى إجازة إجبارية من دون أجر منذ بدء الإغلاق في تشرین الاول الجاري، في حين يواصل العاملون في القطاعات الحيوية مثل مراقبة الحركة الجوية والأمن الداخلي أداء مهامهم من دون تقاضي رواتب حتى إشعار آخر.
وتباطأت إجراءات إصدار جوازات السفر والتأشيرات، فيما ارتفعت نسبة غياب موظفي أمن المطارات إلى ثلاثة أضعاف المعدل المعتاد، ما أدى إلى تأخيرات كبيرة في الرحلات الجوية.
لم تقتصر تداعيات الإغلاق على الداخل الأميركي، إذ امتدت إلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها تعمل بطواقم محدودة في عدد من السفارات، فيما تأخرت معالجة طلبات التأشيرات في أكثر من ستين بلداً.
كما جُمّدت برامج المساعدات الإنسانية والتنموية التي تديرها وكالة التنمية الدولية (USAID) في عدد من الدول النامية، ما أثار مخاوف من تراجع الدور الأميركي في مواجهة النفوذ المتزايد لقوى أخرى مثل الصين وروسيا.
ويرى مراقبون أن الإغلاقات المتكررة تضعف صورة الولايات المتحدة كقوة سياسية مستقرة، وتُحدث اهتزازاً في ثقة الحلفاء والشركاء الدوليين بقدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها.
ويُجمع الخبراء على أن الإغلاق الحكومي يمثل أكثر من مجرد خلاف حزبي، إذ يعبّر عن أزمة ثقة في النظام السياسي الأميركي، ويُظهر هشاشة التنسيق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وفي وقتٍ تتزايد فيه التحديات العالمية، من النزاعات الإقليمية إلى الأزمات الاقتصادية والمناخية، يجد الأميركيون أنفسهم أمام سؤال جوهري؛ هل يمكن لأكبر قوة اقتصادية في العالم أن تواصل أداء دورها القيادي وهي عاجزة عن تمويل مؤسساتها الأساسية؟.
يرى عدد من الخبراء أن الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة بات انعكاساً مباشراً لحالة الاستقطاب الحزبي الحاد التي تشهدها البلاد منذ أكثر من عقد.
ويخلص الخبراء إلى أن تجاوز هذه الأزمة يتطلّب إصلاحات مؤسسية تضمن استمرارية تمويل الحكومة بغضّ النظر عن الخلافات الحزبية، للحفاظ على استقرار أكبر اقتصاد في العالم ومكانته على الساحة الدولية.



