عند تقييم وتحليل مسألة كركوك، لا بد من الأخذ بأن هناك مشكلة أخرى تعانيها هذه المسألة وهي اختلال توازن القوى بين الكورد وبين الأطراف الأخرى في مسألة كركوك.
نقطة قوة الكورد في هذه المعادلة ومصدر الطاقة التي تعينهم على الاستمرار في الصراع، تتمثل في شرعية القضية. فهذا هو السبب الوحيد الذي جعلهم قادرين على مواصلة السعي لاستعادتها، وإلا فالكورد أضعف بكثير من حيث مصادر القوة والسلطة من الأطراف الأخرى لمشكلة كركوك.
رغم المحاولات المستمرة من جانب الأطراف الأخرى لتصوير القضية على أنها مشكلة داخلية بين مكونات كركوك، كان هناك أشباه سياسيين ولاعبو أدوار جهلة من الكورد خدموا في العقدين الماضيين الجهات المناهضة للكورد في كركوك وقدموا خدمات جليلة لأعداء الكورد بنقلهم المشاكل والصراعات من العواصم إلى ما بين مكونات كركوك، في حين أن مسألة كركوك في الأساس هي مشكلة الكورد مع دولتي العراق وتركيا وانضمت إليهما إيران الآن.
لذلك لا بد من أن نرى هذه الحقيقة المرة كما هي، والتي تتمثل في أننا نحن الكورد وحيدون في هذه القضية، وحيدون بلا دولة ولا مصادر قوة ونفوذ في المعادلات الخاصة بهذه القضية، في مواجهة ثلاث دول لكل منها تأثير مباشر وغير مباشر بصورة من الصور على المشكلة ومعادلاتها. عندما لا تكون دولة ويكون لديك صراع وتماس مع عدة دول فهذه مشكلة، كما أنك ككوردي، لست متحداً وليس عندك موقف موحد، وهذه مشكلة أكبر. إن مجرد وجودك بين المكونات الأخرى في كركوك يمثل مشكلة أخرى زادتنا ضعفاً.
رغم أن الكورد يكافحون باستمرار ومنذ بداية المشكلة من أجل الدفاع عن هوية كركوك، فإن الافتقار لمعرفة الذات وعدم معرفة مكانة الخصوم، أو عدم فهم طبيعة الصراع، ألحق ضرراً كبيراً بإيجاد حل للمشكلة. فرغم أنه كان ممكناً في بعض المراحل إيجاد حل مركزي لمشكلة كركوك، إلا أن السياسة الخاطئة (إما كل شيء أو لا شيء) والفشل في إدراك كون الكورد بحاجة إلى شريك في مسألة شرعية المطالبة بكركوك، أضاعت تلك الفرص.
في لحظة إسقاط صدام وبدء مرحلة جديدة حبلى بالفرص لصالح كركوك، اعتقدت أنا وآخرون بأن الكورد بحاجة إلى شريك حقيقي، وحاولنا زرع هذه الفكرة في عقول الشعب والقيادة السياسية الكوردية والتي تتمثل في أن على الكورد أن يتخذوا من التركمان شركاء، إلا أن زعماء وقادة القوى السياسية الكوردستانية، وكأنهم قد اتخذوا قراراً مسبقاً، أصروا على رفض الشراكة الكوردية التركمانية، وبدلاً عن اتجهوا إلى الاتفاق مع العرب الشيعة والنتيجة بعد عقدين كانت أن ذلك لم يساعد في العثور والاقتراب من الحل، بل فرضت استدراج إيران للتدخل في مشاكل كركوك.
والآن وفي مشكلة الإدارة المحلية لكركوك، وهي مشكلة جانبية، وكما نقل عن الرئيس الأسبق للجبهة التركمانية أرشد صالحي، أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني والجبهة التركمانية توصلا إلى اتفاق للعمل معاً وتوحيد مواقفهما. ثم بمجرد انتشار هذا التصريح، وصف المتحدث باسم الاتحاد الوطني الكوردستاني سعدي بيرة هذا الاتفاق بأنه "كارثة" و"بيع لكركوك في مزاد". الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني مخطئان في هذا. أخطأ الحزب الديمقراطي الكوردستاني في اعتقاده بأن اتفاقه هو وحده مع الجبهة التركمانية سينفعه، وأخطأ الاتحاد الوطني الكوردستاني بظنه أن التقرب من التركمان هو بيع لكركوك في مزاد، بينما يرى أن اتفاق مع العرب وإضفاء الشرعية على منح منصب المحافظ لعربي أمراً مشروعاً وليس بيعاً لكركوك في مزاد.
هناك مقولة كوردية مفادها أنك إن غادرت المنزل متأخراً عليك أن تسرع في الطريق. بمعنى أن عليك أن تدفع الثمن عن كل ما لا تنجزه في وقته المحدد. هناك أيضاً رأي شائع مفاده أنه لم يفت الأوان أبداً للعمل الجيد. فعلى الرغم من أن الأمر تأخر، من الجيد اتباع أي طريق يقرب بين الكورد والتركمان. إن ما أقدم عليه الحزب الديمقراطي الكوردستاني جيد إذا أصبح بوابة لاتفاق بين المكونين الكوردي والتركماني، ولكنه سيء إذا كانت النتيجة مجرد اتفاق بين حزب الديمقراطي الكوردستاني والتركمان. لأن انقسام الكورد على جبهتي العرب والتركمان هو أكثر ضرراً على الكورد ومستقبل كركوك من أي مكسب حزبي في حكومة كركوك المحلية قد يحققه الحزب الديمقراطي الكوردستاني أو الاتحاد الوطني الكوردستاني. إن الاتفاق الذي أبرمه الاتحاد الوطني الكوردستاني منفرداً مع الجبهة العربية لتشكيل حكومة كركوك المحلية تصرف خطير. إذ لا ينبغي أبداً أن يضفي الكورد الشرعية بإدارة كركوك التي يوجهها التعريب. حتى إن فرضت قوات الجيش والميليشيات إدارتها للمحافظة لسنوات أخرى، فهذا أفضل من اتفاق الكورد معهم ومنحهم الشرعية لسنة أو سنتين.
الطريق الصحيح لحاضر ومستقبل الكورد وكركوك، ومصلحة الجانبين تقضي بأن يكون الكورد والتركمان معاً. ليس فقط في مسألة إدارة الحكومة المحلية في كركوك، بل من أجل شراكة حقيقية في مجال المطالبة باستعادة كركوك. يجب وضع نقطة، في مكان ما، على الأخطاء ويجب إيقاف اتباع السياسات الخاطئة. في الماضي، دفع الشعب الكوردي ثمناً باهظاً للسلوك والقرارات الخاطئة لأحزابهم، تمثل في حملات القتل الجماعي والجرائم المختلفة التي ارتكبتها الأنظمة العراقية المتعاقبة بحق الكورد. فإلى جانب كون كل ذلك نتاج العقلية الفاشية والشوفينية للحكام العرب في العراق، إلا أن ذلك لم يكن غير متصل بتصرفات وأخطاء الأحزاب الكوردية. لا يمكن أن يواصل الكورد الدوران داخل هذه الدائرة. في قضايا كركوك بشكل خاص، يجب على أهالي كركوك أن يفكروا بوعي أكبر في مستقبلهم ومستقبل أجيالهم القادمة ومستقبل مدينتهم، وعليهم أن لا يقبلوا بتحويلهم إلى سلعة في ميدان المساومات السياسية والقومية التي تزيد حياتهم صعوبة وقسوة يوماً بعد يوم. على كل فرد كوردي في كركوك أن يرى أن سياسة التطهير العرقي لم تنته بإسقاط صدام، وأن العقلية المسيطرة على الحكم في العراق تدير بموجب خطة محكمة وبإمكانيات ضخمة حملة التعريب والتشيع.
إن مجرد ترديد القول بأننا كورد وسنبقى كورداً لن يبلّغ كركوك بر الأمان، الكورد بحاجة إلى العثور على شريك يواجهون معه سياسة التعريب. لهذا فإن تعليق الآمال على التعريب هو بمثابة انتحار. حتى لو اضطرتك الحاجة، سيكون عليك حينها أن تبحث عمن يهدده التعريب مثلك، وهؤلاء هم تركمان كركوك. إن اتفاق الكورد الآن كقومية وليس كحزب أو اثنين مع التركمان، يحتمل أن يضع بعض العقبات على التعريب والتشيع، لكن تأخير اتفاق من هذا النوع سيأتي، حتى إن تم في وقت لاحق، بعد خراب البصرة.



