الحرية والديمقراطية والمساواة ليست مجرد شعارات تتردد في المحافل السياسية، بل هي مبادئ جوهرية لبناء الحوكمة الرشيدة وترسيخ السلام وتعزيز العلاقات بين الأمم والشعوب. إنها الضمانة الأساسية لتحقيق السلام والعدالة المستدامة في منطقتنا، إلا أننا – حتى اليوم – نفتقر إلى هذه الرؤية في الشرق الأوسط. فما زالت الصراعات مستمرة، والظلم متفشياً، والحريات مقيّدة. ولعل القضية الكوردية تمثل المثال الأبرز على غياب هذه المبادئ، رغم عدالة مطالبها وعمق جذورها التاريخية.
يُعد الشعب الكوردي من أعرق شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تجذراً في تاريخه وجغرافيته. تعود أصولهم إلى الحضارات القديمة التي ازدهرت في مناطق جبال زاغروس والهلال الخصيب، حيث ساهم الكورد في صنع تاريخ المنطقة وبناء حضاراتها، وتركوا بصمات لا تُمحى في ثقافتها ولغاتها وتقاليدها. ورغم هذه الجذور الراسخة وهويتهم القومية المتماسكة، مازال الكورد محرومين من أبسط حقوقهم، وعلى رأسها حقهم المشروع في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.
إذ يُعد حق تقرير المصير من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، وينص على حق الشعوب في اختيار وضعها السياسي وتحديد مسارها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بحرية، دون تدخل خارجي. وقد أقرته الأمم المتحدة لأول مرة في ميثاقها عام 1945 (المادة 1 الفقرة 2)، ثم جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1966 ليؤكد في المادة الأولى أن لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها بنفسها، بما يشمل حرية تأسيس كيان سياسي مستقل أو الاندماج أو الاتحاد مع دولة أخرى. يُعد هذا المبدأ حجر الزاوية في حماية حقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو التمييز القومي، وهو ضمانة لتحقيق العدالة والمساواة بين الأمم.
لقد مرت الأمة الكوردية على مدى قرون بتقلبات سياسية حادة، تأزمت بشكل خاص عقب الحرب العالمية الأولى حين قُسّمت أراضيهم بين أربع دول: تركيا، العراق، إيران، وسوريا. لم يكن هذا التقسيم مجرد حدود جغرافية، بل بداية لحقبة طويلة من التهميش والإنكار والاضطهاد. فمنذ ذلك الحين، خاض الكورد نضالات مريرة للحفاظ على لغتهم وثقافتهم وحقوقهم السياسية والاجتماعية، دون أن يلقوا استجابة حقيقية من الأنظمة الحاكمة أو دعماً فعّالاً من المجتمع الدولي.
ففي تركيا، حيث لايزال الوجود القومي الكوردي غير معترف به حتى اليوم، يُحرم الكورد من ممارسة ثقافتهم بحرية، وتُقابل مطالبهم بالمساواة والعدالة بالقمع والاعتقال. أما في سوريا، فقد عانوا – وما زالوا يعانون – من حرمان طويل لم يقتصر على حقوقهم القومية فحسب، بل شمل أبسط حقوق المواطنة؛ إذ حُرم كثيرون منهم من الجنسية وتعرضوا لسياسات تعريب قسري لاتزال آثارها ماثلة حتى الآن. وفي إيران، يُعامل الكورد كمواطنين من الدرجة الثانية ويواجهون اضطهاداً مضاعفاً، كونهم كُرداً وكونهم مسلمين سُنّة، حيث تُقمع حركاتهم السياسية والثقافية بلا هوادة. بينما في العراق، ورغم حصولهم دستورياً على إقليم فيدرالي بعد سنوات من النضال والمجازر، لايزال هذا الكيان يواجه تحديات كبيرة في سبيل الاستقرار والاعتراف الكامل بحقوقه.
ورغم اختلاف ساحات نضالهم، بقيت المطالب الكوردية موحدة: الاعتراف بهويتهم القومية، والحق في تقرير المصير، والحصول على العدالة والمساواة. لكن المجتمع الدولي، برغم إقراره العلني بمبادئ حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ظل يتعامل مع القضية الكوردية بمنطق المصالح لا المبادئ، وغالباً ما غضّ الطرف عن مظالمهم إرضاءً للقوى الإقليمية الكبرى.
لقد أثبت الكورد في أكثر من مفصل تاريخي معاصر أنهم ليسوا فقط ضحايا للتهميش، بل فاعلون أساسيون في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة. ففي الحرب ضد تنظيم داعش، كان للمقاتلين الكورد – في سوريا والعراق – الدور الأبرز في دحر التنظيم، حيث تصدت قواتهم لهجمات شرسة وحررت مناطق واسعة، في وقت تراجعت فيه جيوش نظامية عن المواجهة. لم يكن هذا الدور دفاعاً عن أرضهم فحسب، بل عن الإنسانية جمعاء، ومع ذلك لم تُترجم تضحياتهم إلى دعم سياسي حقيقي لقضيتهم العادلة. وهو ما يكشف مجدداً المفارقة الصارخة بين ما يقدمه الكورد من تضحيات، وما يُقابلون به من تجاهل دولي.
إن استمرار هذا التجاهل لم يُسهم فقط في تعميق معاناة الكورد، بل ساهم أيضاً في تعقيد مشهد الصراعات في المنطقة. فلا يمكن بناء شرق أوسط مستقر دون معالجة القضية الكوردية بإنصاف، إذ إن استمرار الإنكار والتهميش لا يؤدي سوى إلى تغذية مشاعر الإحباط التي يمكن أن تتحول بسهولة إلى بيئات خصبة للتوترات والانفجارات. الكورد يدركون أن نضالهم ليس موجهاً ضد شعوب المنطقة، بل هو كفاح من أجل حقوقهم الأساسية: الحرية والكرامة والمشاركة العادلة في الحياة السياسية والاجتماعية. وقد أثبتوا على مدار التاريخ الحديث أنهم عنصر استقرار وشريك محتمل في بناء مستقبل مشترك متى ما تم التعامل معهم بندّية واحترام.
إن الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي والعمل على إنصافه بات ضرورة من ضرورات الأمن الإقليمي والدولي. إنها مسؤولية المجتمع الدولي، لا من باب الإحسان أو المجاملة، بل من باب الإنصاف التاريخي والالتزام الأخلاقي والقانوني، لتمهيد الطريق أمام شرق أوسط خالٍ من الحروب، تعيش أممه بحرية وسلام، ويساهمون معاً في تقدم الإنسانية والحضارة.
خلاصة القول إن القضية الكوردية ليست مجرد صراع سياسي عابر، بل هي قضية أمة عريقة وشعب حُرم من أبسط حقوقه القومية والإنسانية عبر قرن من التهميش والإنكار، بالرغم من أن تعداده يزيد على أربعين مليوناً، وهو ما يفوق تعداد غالبية الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. لقد أثبت الكورد أنهم عنصر فاعل وأساسي في أمن واستقرار الشرق الأوسط، وأن مطالبهم بحق تقرير المصير والعدالة ليست تهديداً لأحد، بل ضمانة لبناء سلام عادل وشامل في المنطقة. إن الاعتراف بحقوقهم المشروعة لم يعد مجرد التزام أخلاقي أو قانوني، بل ضرورة استراتيجية لصياغة مستقبل آمن ومستقر لجميع شعوب الشرق الأوسط.
الحرية للكُورد، لأنهم يستحقونها. والعدالة لكل شعوب الشرق، لأن السلام لا يُبنى على إنكار الحقوق، بل على الاعتراف بها وتفعيلها.



