في خِضَمِّ مواجهة وباء كوفيد 19 وشهر رمضان، وَجدَ سكان كوردستان أنفسَهم في مواجهة وباء التمييز. فقَطْعُ نصفِ الراتب الخاص بإقليم كوردستان من قِبل بغداد لا تقبله أيُّ قاعدة أخلاقية ودينية، بل إنه يُصنَّف في خانة منطق الكُره فحسب.
في بداية استلامه منصبَ رئاسة الوزراء، وفي مناسبات مختلفة، أكد الدكتور عادل عبد المهدي أكثر من مرة أنه لن يلمس رواتب موظَّفي إقليم كوردستان مرة أُخرى في فترة حكمه. وفي الحقيقة فإن عادل عبدالمهدي واحدٌ من أولئك الساسة العراقيين الحاليين النادرين الذين لا يزال شعب كوردستان يثق بهم. لذلك فإن شعب كوردستان لا يصدق حتى الآن أن عادل عبدالمهدي اقتطع ذلك الجزء من الرواتب، رغم وجود تفسير ضعيف يقول لان الكورد دعموا ترشيح مصطفى الكاظمي، فأنه أيضاً قد انزعج من الكورد.
ما ورَدَ في قانون ميزانية 2019، قد كُرر أكثر من مرة على شاشات التلفزة العراقية، من قِبل وزير المالية العراقية ونائب رئيس الوزراء للشؤون المالية، الدكتور فؤاد حسين بأن إقليم كوردستان، إنْ لم يسلم 250 ألف برميل من النفط لبغداد، فإنها سترسل نصف الملبغ الذي تمَّ تحديده إلى إقليم كوردستان. وهو ما جرى، حيث أُرسِل 453 مليار دينار (380 مليون دولار) لإقليم كوردستان. في حين، بحسب إحصاءات حكومة العراق، إن واردات النفط المباع من قِبل الحكومة العراقية في العام الماضي بلغت 78 ملياراً و527 مليون دولار، ما بلغ شهرياً بصورة عامة قيمة 6 مليارات و 543 مليون دولار.
ما هو ملفتٌ للانتباه أن قسماً من ذلك المبلغ الذي أرسلته بغداد لحكومة إقليم كوردستان، عاد مرة أُخرى إلى المناطق الخاضعة لسلطة حكومة بغداد. لأن حكومة إقليم كوردستان تدفع لمحافظة كركوك رواتب 7600 معلم و 1405 عاملين ومصاريف 535 مدرسة و32 روضة أطفال. وفي مخمور تدفع رواتب 1772 معلماً وعاملاً ومصاريف 69 مدرسةً، وفي خانقين تدفع رواتب 3850 معلماً وعاملاً ومصاريف ثلاثة معاهد و32 مدرسة كوردية، فالحكومة الاتحادية العراقية، بعد سقوط نظام صدام، ليست مستعدة لأن تدفع رواتب أولئك المعلمين الكورد الذيم يُعلّمون أبناء الكورد القراءة والعلوم باللغة الكوردية، ورغم أن في الدستور العراقي عبارة واضحة براقة تقول إن العربية والكوردية لغتان رسميتان في العراق. فضلاً عن عدد آخر من الموظفين في المناطق المتنازَع عليها.
لا يلحظ شعب كوردستان أيَّ تغيُّر في تفكير بغداد، ذلك لأن الذين يديرون السلطة في بغداد، أو يتحدثون ليلاً على شاشات التلفزيونات للعراقيين، دائماً يتحدثون بمنطق "نحن" و"هُم"، وهو ما يقطع الطريق أمام أي تعايش وطنيّ في الفكر والفعل. وبسبب ذلك المنطق نفسه، وان لم يضع لغوي كوردي ومثقف، مثل توفيق وهبي، نُصبَ عينه نداء المقاطعة التي نادى بها الشيخ محمود، فمنذ بداية تأسيس الحكومة العراقية حتى مدة ثمانية أعوام كان في منصب وزاري في الحكومة العراقية، وفي النهاية حين انتقل إلى بريطانيا قال: "كل شيء فيه كلمة عراق، ليس فيه للكورد خيرٌ".
إن استمرَّ هذا المنطق بهذا الشكل في المعاملة، فإن من الحق أن تطالب الحكومة العراقية الأممَ المتحدة لأن تفصل كوردستان عن العراق. أو يجب أن تنظر إلى الموظف في السليمانية كما تنظر إلى الموظف في البصرة، وأن تنظر إلى طبيب في اربيل ، كما تنظر إلى طبيب في النجف. لأن منطق "نحن" و"هُم" يحتاج إلى دولتين، فإن لم يكن كذلك فإنه يجب أن يكون منطقاً متميزاً، ومن هنا فإنه في رمضان وإبّان فيروس كورونا، لا بد أن يتحرك الضمير الذي يدعو إلى عدم قطع أرزاق الناس.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



