هذا المقال يُعدّ الخامس في سلسلة مقالات وتحليلات كتبتها عقب الساعات الأولى من الضربات الإسرائيلية على الجارة الإيرانية. ما أسعى إليه في هذا النص، ليس إعادة سرد الوقائع، بل تقديم قراءة أكثر عمقاً لما جرى: من بدأ، من رد، ومن سيكتب النهاية. لأن الحقيقة، كما أثبتت هذه الجولة، لا تُكتب في نشرات الأخبار، بل تُدوَّن لاحقاً في وثائق الذاكرة والسياسة.
في الأيام التي تلت الضربات الإسرائيلية المباغتة على منشآت نووية إيرانية، بدا وكأن المنطقة تقف على حافة هاوية مفتوحة، لا أحد يعرف إن كانت ستُغلق بتسوية أم بانفجار أوسع. إسرائيل بدأت، بضربات مباشرة استهدفت منشآت فوردو وناتنز وأصفهان، في محاولة واضحة لفرض واقع جديد يُنهي حلم إيران النووي، أو على الأقل يؤخره بما يكفي لإعادة ترتيب أوراق الردع في المنطقة. لكنّ ما لم يُحسب بدقة، هو أن إيران هذه المرة لن تكتفي بالشكوى في مجلس الأمن، ولا بالاكتفاء بإدانة على لسان المتحدث باسم الخارجية، بل كانت مستعدة لردّ محسوب، لا يتخطى عتبة الحرب الشاملة، لكنه يَصُمّ آذان من ظنّها لن ترد.
منذ البداية، لم تكن إيران هي من بدأ الحرب. منطق الرد لا يعني المبادرة بالعدوان، بل الردّ على عدوان. لذلك فإن الصواريخ التي انطلقت من الأراضي الإيرانية نحو عمق إسرائيل لم تكن إعلاناً للحرب، بقدر ما كانت إعلاناً عن أن قواعد الاشتباك تغيّرت. قاعدة العديد الأميركية في قطر، التي طالما وُصفت بأنها خارج نطاق المعركة، لم تكن بمنأى عن الرد.
الرسالة كانت واضحة: لا خطوط حمراء عندما يُستهدف أمننا القومي، ولا قواعد محايدة عندما تُستخدم لضربنا.
لكن هذه المواجهة لم تكن ميدانية فقط. خلف الصواريخ والطائرات، كان هناك شبح حاضر في كل خطوة: الاستخبارات. تقارير مسرّبة تحدّثت عن اختراقات أمنية سبقت الضربات، وعن معلومات دقيقة وصلت لإسرائيل بشأن مواقع أجهزة الطرد المركزي، وعن تورط جهات داخلية أو إقليمية في تسهيل المهمة.
إيران، بدورها، كانت قد واجهت سابقاً سلسلة اغتيالات ممنهجة لعلمائها النوويين، وكل ذلك شكّل تمهيداً صامتاً لحرب بدأت قبل الضربة الجوية بزمن، لكنها لم تُعلن إلا على وقع الانفجارات.
وعندما دخلت الهدنة حيز التنفيذ، تحت رعاية أميركية مباشرة، بدا أن الحرب قد توقفت، لكن الحقيقة أن الحرب السياسية بدأت من جديد. تصريحات ترمب بأن الضربات كانت (ناجحة ومذهلة) سرعان ما فندتها تسريبات استخبارية تقول إن المنشآت لم تُدمّر كلياً، وإن البرنامج النووي تأخّر فقط لأشهر معدودة. وهنا يظهر التناقض بين الرواية السياسية والرواية الأمنية، وهو ما يعيدنا إلى مقولة المؤرخ العسكري كارل فون كلاوزفيتز: (الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى).
فهذه الضربات لم تكن بهدف الحسم النهائي، بل لفرض شروط تفاوض جديدة، وربما لرفع سقف التهديد قبل الجلوس إلى الطاولة.
لم يُكتب النصر في هذه الجولة بالحسم العسكري، بل بالمكاسب السياسية المؤجلة. إسرائيل نفّذت ضربات دقيقة في ظاهرها، لكنها كشفت هشاشتها أمام الصواريخ الإيرانية، واضطراب جبهتها الداخلية، وتعرّض تحالفاتها للتوتر.
وإيران من جهتها أثبتت أنها قادرة على الرد بحزم مدروس، واستطاعت أن تثبت حضورها في معادلة الردع الإقليمي، رغم التحديات الاقتصادية والضغوط النفسية والأمنية المصاحبة لهذه الجولة. وهي اليوم تقف أمام استحقاقات سياسية وعسكرية تتطلب مراجعة دقيقة لتثبيت مكاسبها وتحصين جبهتها الداخلية.
أما الولايات المتحدة، فوجدت نفسها في موقع الوسيط المتردد، المتضامن مع إسرائيل حيناً، والغاضب من تجاوزاتها حيناً آخر.
ما بعد الحرب لم يُحسم بعد. فالنهاية ليست تلك التي تُعلَن في نشرات الأخبار، بل تلك التي تُدوَّن لاحقاً في الذاكرة الاستراتيجية، وتُبنى عليها اتفاقات أو تُفتح بها معارك جديدة. من امتلك القدرة على تحويل هذه الجولة إلى أوراق تفاوض قوية، قد لا يكون هو المنتصر في الميدان، لكنه سيكون المنتصر في ما بعد الميدان.
بصفتي باحثاً في الفكر السياسي وفلسفة التاريخ، أجد أن ما جرى لا يمكن فهمه ببساطة في إطار معركة عسكرية متبادلة، بل ينبغي تأمله كسلسلة رسائل سياسية متراكبة، تُرسل بصواريخ وتُقرأ في مراكز القرار الدولي. ما شهدناه هو اختبار لقدرة الردع وحدود التحالفات، وتجربة حقيقية لمعادلة (الخط الأحمر) التي طالما استُخدمت كأداة ضغط لكنها اليوم أصبحت عرضة للتشكيك.
ليست المسألة في من أطلق الطلقة الأولى، بل في من سيكتب الرواية الأخيرة، ومن سيُقنع العالم بأن الحرب كانت ضرورة وليست خياراً عبثياً. لقد خرجت كل الأطراف بتحديات بنيوية تُقرأ، ونقاط قوة تُضخَّم، لكن في العمق، لا يُقاس الانتصار في حروب كهذه بما يُدمَّر، بل بما يُفرض من معادلات جديدة، وبما يُنتزع من مساحة في ميزان الردع.
المنتصر هو من يُجيد إعادة تدوير الخسارة إلى مكاسب سياسية، ومن يُدير صمته بعد الضجيج بطريقة تُعيد تعريف التوازن.
لقد كان الرهان الأكبر هو سقوط النظام، لا فقط ضرب منشآته. وضعت إسرائيل هذا الهدف أمام أعينها، وشاركتها فيه الولايات المتحدة، كلٌ بطريقته. لكن الحقيقة أن النظام لم يسقط، بل تجاوز المحنة بثبات نسبي، وأعاد ترميم صورته بصواريخ دقيقة وردود محسوبة. ومن يصمد بعد لحظة الانفجار، يكتب الرواية ولو بتأنٍ. القوة ليست فقط في الطلقة، بل في البقاء بعدها.



