نظامٌ فيدرالي ، ومحاصصة في الحكم والإدارة ، مرتكزين أساسيين بُنبت عليهما العملية السياسية بعد حرب تحرير العراق وسقوط الطاغية صدام حسين عام ٢٠٠٣ . واقعٌ جديد لم يألفهُ العراقيين على المستويين السياسي والشعبي ، وعمليةٌ سياسية كانت نتاجُ توافقات وتفاهمات بين القوى السياسية العراقية حينها ، تمخضت عنها توزيعٌ في المناصب السيادية ( رئاسة الوزراء - رئاسة البرلمان ، رئاسة الجمهورية ) على مكونات العراق الرئيسية الشيعة - الكرد - السنّة وبالتساوي على قاعدة العرف السياسي لا الحق الدستوري .
منصب رئاسة جمهورية العراق ، الذي يعد فخرياً لمحدودية صلاحياته أصبح من نصيب الكُرد ، إلا أنه فعلياً لم يكن كذلك بتبوأ الرئيس الراحل مام جلال الطالباني لهذا المنصب ، فتاريخ الرجل النضالي ودوره السياسي وخبرته الى جانب علاقاته الواسعة والمتوازنة مع جميع أقطاب التيارات السياسية العراقية قبل وبعد حرب تحرير العراق ، إضافة إلى شبكة علاقاته الواسعة والمتميزة كزعيم لحزب الإتحاد الوطني الكردستاني مع الدول الإقليمية والكثير من دول العالم منحته صفة " الرئيس الأكبر من المنصب " .
كردياً ، شغلْ الإتحاد الوطني الكردستاني هذا المنصب بعد توقيعه للاتفاق الاستراتيجي مع حزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه الرئيس مسعود البارزاني ، حيث تم التفاهم على رئاسة العراق للإتحاد ورئاسة الإقليم للديمقراطي .
بعد رحيل الرئيس مام جلال وانتخاب السيد فؤاد معصوم خلفاً له من قبل حزبه الإتحاد الوطني والعراقيين رئيساً لجمهورية العراق ، عاد هذا المنصب الى مكانته الطبيعية وحجمه وفق الصلاحيات الممنوحة له في الدستور العراقي ، فبات الرئيس مهمشاً ، لا دور له ، غائباً عن الساحة السياسية العراقية ومجمل التجاذبات والخلافات القائمة بين مكوناته ، حتى أصبح هذا المنصب وبالاً على الكرد في بغداد ، تجلى معالم الضعف في أداء رئيس الجمهورية بوضوح بعد إجراء الإقليم استفتاءً شعبياً حول تقرير مصيره العام المنصرم ، وبلغ التهميش والانكفاء على الذات ذروته إبان وبعد قيام الجيش العراقي ومليشيات الحشد الشعبي بالهجوم على المناطق المتنازع عليها واحتلالها لمدينة كركوك .
تذكّرَ كثيرون من الكُرد ومنهم قيادات في حزب الإتحاد الوطني الدور الذي كان يمكن أن يلعبه الرئيس مام جلال في حينه لو بقيّ على قيد الحياة ، إلا أن الفارق كان كبيراً ومؤلماً بالمقارنة مع الدور الذي لعبه خلفه السيد فؤاد معصوم في أزمة الإقليم مع بغداد .
لا شك ، أن الإقليم بحاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى منصب فعّال لرئيس الجمهورية لا إلى كرسي الرئاسة المهمش ، وهو ينتظر حلولاً جذرية لجملة من القضايا والخلافات العالقة مع بغداد ، في مقدمتها تطبيق المادة ١٤٠ من الدستور العراقي الخاص بالمناطق المتنازعة عليها ، و إعادة ميزانية الاقليم إلى ما كان عليه قبل ١٦/١٠/٢٠١٧ ، وتعويض المتضررين في كركوك وخانقين وطوز خورماتو جراء عمليات السلب والحرق والتخريب لممتلكاتهم من قبل قوات الحشد الشعبي والجيش العراقي ، كل هذه الملفات بحاجة إلى دعم ومتابعة وتنسيق مباشر مع حكومة إقليم كردستان من قبل رئيس سيمثل سيادة العراق ووحدته ويضمن تطبيق بنود دستوره . بغض النظر من سيكون الرئيس القادم للعراق ، سواء كان مرشح حزب الديمقراطي الكردستاني السيد فؤاد حسين ، أم مرشح حزب الإتحاد الوطني السيد برهم صالح ، أعتقد من كل بدّ أن يكون الشخص المختار ممثلاً حقيقاً لجميع الكّرد في الإقليم ، بأحزابه المختلفة ومحافظاته الإدارية ، وأن يكون صوت الضمير الكردي الطامح إلى تحقيق مطالبه في الحرية والعدالة والمساواة ضمن عراق اتحادي فيدرالي يحكمه الدستور ، ويرشده الاعتراف بسيادة إقليم كردستان السياسية والاقتصادية والإدارية ، ولابدّ أن يكون الرئيس القادم للعراق حريصاً على حماية مكتسبات الشعب الكردي في الإقليم ومدافعاً عنها بعيداً عن لعبة المحاور الإقليمية والتجاذبات السياسية الداخلية خدمة للطرف الذي ينتمي إليه ، أو امتثالاً لرغبات روّاد الغرف المظلمة .
ما يُثار حالياً من جدال وخلاف حول أحقية مَنْ بشغل منصب رئاسة جمهورية العراق القادمة ، السيد فؤاد حسين مرشح الديمقراطي ، أم السيد برهم صالح مرشح الإتحاد الوطني ، من وجهة نظري يأتي هذا الجدال ضمن سياقات طبيعية إذا ما أخذنا بعين الإعتبار خلفية كل مرشح والخطاب السياسي والتيار الذي يمثله كل جهة ، وهي في المحصلة نتاج تضاد بين مشروعين مختلفين في الرؤى والهدف ، فالأول السيد فؤاد حسين بات الصوت الحقيقي لشعب قال نعم للاستفتاء بنسبة ٩٣٪ بعد أن تنصل حكومة المركز من التزاماتها الدستورية والقانونية تجاه الشعب الكردي في الإقليم ، وفرض حصار وعقوبات قاسية حرمت مئات الآلاف من الموظفين الكرد من رواتبهم ومعاشاتهم الى جانب تشريد وتهجير الآف العوائل الكردية من مناطقهم في كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها ، وممثلاً لحزب قبل زعيمه السيد مسعود البارزاني التحدي ودخل في الانتخابات البرلمانية العراقية وحصل على ٢٥ مقعداً متوجاً بذلك اصرار ورغبة الشعب الكردي في العيش بحرية وسلام ضمن دولة يأمل أن يلتزم قادتها بالدستور ويحترمون خيارات شعبها وحقه في العيش بسلام ومساواة ، والاخر السيد برهم صالح مرشح التوافقات في اللحظة الأخيرة داخل البيت ( الوطني ) ، ومُدلل الداعمين الخارجيين والباحث عن امتيازات الكرسي ، قادمٌ من رحم وليده الفتي - التحالف من أجل العدالة والديمقراطية - الذي شنَّ باسمه وتحت عناوينه حملات تشهير وتشويه بحق نظام الحكم في الإقليم وانتقد تجربة الحزبين في الإدارة ، حتى وصل به الأمر إلى التبرء من الحدود التي " رُسمت بدم " الشهداء من قوات البيشمركة تناغماً مع توجه حكومة بغداد ورغبتها في القضاء على الإقليم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً ، رجل طعن رفاق دربه لعشرات السنين في الظهر لمجرد امتناعهم عن التصويت له في الترشح لرئاسة العراق بدلا من رفيقه السيد فؤاد معصوم ، وحاول جاهداً وفي تسجيلات مصورة جلب الجيش العراقي الى كركوك قبل مجيء داعش في زمن حكومة نوري المالكي ، وتحريضه على قطع رواتب موظفي الإقليم لزيادة النقمة الشعبية على خصومه السياسيين وعلى رأسهم الرئيس مسعود البارزاني وحزبه ، وتهجم على كل من صوت بنعم للاستفتاء ، وأتخذ موقفاً داعماً لسيطرة الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي على المناطق المتنازع عليها بتصريحه العلني : "أن الحدود التي ترسم بالدم ستزال بالدم" في الوقت الذي كان دماء شهداء البيشمركة تسال دفاعاً عن هذه الحدود ، كل ذلك شطبه الرجل من ذاكرته في لحظة وعاد مجدداً إلى صفوف حزبه القديم تاركاً ورائه تحالفه وعدالته وديمقراطيته تئن يتيمة إستجابة لرغبة توليه " العرش " . لا اعتقد أن الإقليم وهو يمر في هذا الظرف الحساس بحاجة إلى رئيس يحسب على الكرد ويعمل ضد قناعات وتطلعات شعبه ، ولن يكون لرئيس يبحث عن الامتيازات لشخصه قدرة على الوقوف في وجه أعداء الشعب الكردي في داخل العراق وخارجه ، فالشعب الكردي في الإقليم أختبر المرشحين سابقاً بتصويته لقوائهما في الانتخابات البرلمانية العراقية ، ويبقى الرهان الأخير في تبوأ أيهما منصب رئاسة الجمهورية على التحالفات الداخلية ومصالح الدول الإقليمية والدولية الطامحة في السيّر بالعملية السياسية نحو تحقيق مشاريعها والحفاظ على نفوذها في العراق خلال الأربعة السنوات القادمة .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



