أوجه شبه كثيرة بين البلدين، سواء عبر التاريخ قبل التغيير، أم بعد تغيير النظامين الحاكمين في العراق عام 2003، وسوريا عام 2024. هنا لا يأتي الحديث عن البلدين وإنما عن الدولتين، عن الأنظمة التي كانت تحكم الشعبين بالحديد والنار، فهما كانا من أبناء الحركة الاشتراكية التي سادت جزءاً كبيراً من العالم عند وجود الاتحاد السوفيتي، واستنسخا الأدوات الشيوعية والحركات الشوفينية في الحكم، وفي التعامل مع أفراد الشعب، وكانا قوميَين عروبيَين متطرفَين يرفعان شعار "وحدة-حرية-اشتراكية" كما كانت الموضة في ستينيات القرن الماضي، ورفعا شعاراً واحداً هو "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة". مؤسسهما واحد وهو ميشيل عفلق، والاسم واحد وهو "حزب البعث العربي الاشتراكي"، لكن الخلاف في الانتماء الديني المذهبي، مع أنهما لم يعطيا قيمة له نظراً لعلمانيتهما، كان مؤثراً في تحديد السياسات الإقليمية والدولية. تجلى ذلك أثناء الحرب العراقية الإيرانية، إذ تغطى بعث العراق بالغطاء السني والقضية الفلسطينية، وتغطى بعث سوريا بالغطاء العلوي الشيعي والقضية الفلسطينية، ولم تكن الطائفتان سوى متكأ يتكئ عليه النظامان الفاسدان الشموليان. وأصبح السنة في العراق والعلويون في سوريا وقوداً لنار الغطرسة البعثية.
أولاً: بعد التغيير، وبتأثيرات سياسات واتجاهات النظامين خلال حكمهما، لم يتغير التشابه، لكنه انعكس. ولوحات النظامين في التعاطي مع مكونات الشعب ومؤسسات الحكم هي واحدة من حيث النوع وإن كان المضمون مختلفاً. لنوضح الفكرة بالآتي:
1. بعد عام 2003، قال الشيعة إنهم كانوا ضحايا قمع نظام متسلط، والآن يصححون التاريخ. وفي سوريا، يقول السنة إنهم كانوا ضحايا نظام قمعي، والآن يصححون التاريخ. وهذا فتح المجال للتقسيمات العرقية والطائفية الدينية والمذهبية، وتأجيج روح الانتقام، وعليه جاء مبدأ الأكثرية الطائفية والنظر باستصغار إلى الآخرين.
2. إن كل معارض للنظام الجديد في العراق بعد ذهاب البعث هو من أزلام النظام السابق والقاعدة، والأمر كذلك في سوريا، فهم فلول النظام البائد وداعش.
3. في عراق ما بعد التغيير، كانت التهمة تُلصَق على عجل بكل سني يرى الغبن بأنه بعثي. والآن في سوريا، على عكس الصورة، فالتهمة هي بعثية لكل علوي أو شيعي يريد أن يرفض النظام القادم على أنقاض البعث.
4. إن المعارضين لا يمثلون الشعبين الحبيبين، السنة أو الكورد في العراق، وإنما هم عملاء ينفذون أجندة مخابرات الدول العربية أو يتحركون بتحريك من الصهاينة. هكذا كان يقال في العراق بعد 2003، والآن في سوريا بعد 2024، يُستخدم الخطاب ذاته الذي يقول إن هؤلاء المتظاهرين أو المواجهين ليسوا من الطائفة العلوية الكريمة أو الدروز، وإنما هم مخربون على اتصال بدول إقليمية وبإسرائيل ومتصهينون.
5. في العراق، الخطاب الشيعي الحاكم يقول عن الكورد، وما زال، "إننا نحب إخواننا الأكراد، لكن هذه الأحزاب تمثل مصالحها ولا تمثل الشعب الكوردي"، والبارزاني عندهم انفصالي. وفي سوريا، إن الخطاب السني الحاكم سيقول إن "قسد" لا تمثل الشعب الكوردي، وإن مظلوم عبدي انفصالي يجب أن يخضع.
6. في كلتا الدولتين، يتفانون في تقوية العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ويرون فيها الصديق الذي لا بديل عنه، لكنهم يتهمون الكورد بأنهم يتآمرون على البلد بالتحالف مع الولايات المتحدة.
ثانياً: أما إقليمياً، فمن الناحية السياسية لم يتغير شيء سوى العنوان والهوية. فقد أخذت تركيا في سوريا مكانة إيران في العراق. بالنظر إلى الحالة القانونية والسيادية للدول الوطنية، فلا فرق بين الوجود التركي في سوريا والحضور الإيراني في العراق. كلتاهما لا تقيدان تحركاتهما بسيادة الدول، وتخوضان في الشؤون الداخلية من باب الأمن القومي أو الأخوة والصداقة وتقديم العون والمساعدة. والذريعة هي حاجة العراق إلى إيران ضد الإرهاب، وحاجة سوريا إلى تركيا ضد الإرهاب. وترى وزير خارجية إيران يصرح في الشأن العراقي، كما يصرح نظيره التركي في الشأن السوري.
وقد نجحت كل من طهران وأنقرة في تشكيل طبقة من النخبة السياسية الحاكمة والإعلامية المتنفذة من أبناء البلدين تعملان لصالحهما. وحصل تجنيس عراقيين أثناء لجوئهم في إيران، وهو الحال نفسه مع تجنيس سوريين فترة لجوئهم في تركيا. ويسارع الطرفان ولا يترددان في الاستقواء بهويتهما الجديدة على المعارضين أو المتذمرين من أبناء موطنهما الأصلي.
عندما يواجه الشيعة أزمة يقولون إن إيران موجودة ولن تقبل، وهو الحال مع السنة الحاكمين في سوريا الذين سيقولون في مواجهة الشارع الكوردي والدرزي في السويداء إن تركيا موجودة وداعمة ولن تقبل. وعلَّق مسلحون من أبناء النظام الجديد العلم التركي على أكتاف بزاتهم العسكرية وهم داخل سوريا، أو رفعوا العلم التركي إلى جانب العلم السوري، كما يفعل العراقيون أحياناً من تعليق صور رموز إيرانية. بكلمة أخرى، هنا تركيا وهناك إيران، والحالة السياسية واحدة، أي أن هوية الفواعل السياسية الإقليمية تغيرت ولم يتغير الحال في ميزان القانون الدولي.
والأخطر من كل ذلك هو رفع شعارات آل البيت في العراق، والأموية في سوريا. وهو الطريق إلى الطائفية السياسية، لأن مضمون هذه الشعارات لا يمكن أن يكون واحداً عند المحللين والقراء، ولا حتى عند القائلين بها، فهي شعارات بحمولة تاريخية ترمز إلى العداء والفصل بين الناس.
كلا النظامين لم يتعاملا بأسس ومنظور حديثين مع الواقع الجديد، فهما يعانيان تحت وطأة التركة الظالمة من النظامين البائدين، ومن خلالها يتناولان المشاكل الموروثة لهما. أي أنهما عاجزان عن تبني رؤى جديدة بعقلية واسعة تتخلص من الرواسب الفكرية والثقافية للدول الشمولية. لهذا، كلا البلدين عيونهما ترى الواقع الجديد على الأرض بعدسة قديمة، موادها من المخلفات الثقافية التي رماها النظامان القديمان داخل الشعبين. العقلية السياسية عتيقة، والنفوس منغلقة، ومع كثرة السفر إلى الدول الأوروبية والتباهي بقوة العلاقة معها والاطلاع على التاريخ الحديث وتطور المجتمعات، يريان في الدعوة إلى النظام التعددي اللامركزي تقسيماً للأرض والوطن، لكنهما يتعاميان عن أن تلك الدول الأوروبية هي دول لا مركزية في وطن واحد وأرض موحدة. ربما العراق أهون من هذا الجانب، لكن لدى الطرفين، وهنا لدمشق نصيبها الأكبر، تخلف سياسي.



