رووداو ديجيتال
في زقاق ضيق بالقرب من شارع روستافيلي في تبليسي، يوجد منزل قديم مكون من غرفة واحدة، عُلقت عليه قطعة صغيرة كُتب عليها باللغة الكوردية (جمعية روناهي)، وهي جمعية لكورد جورجيا. يتألف المنزل من غرفة ومطبخ صغير، وتعمل الجمعية من أجل 20 ألف كوردي في البلاد، غالبيتهم من الإزيديين، بينما غيّر عدد منهم دينهم وأصبحوا مسيحيين.
يعتبر شارع (روستافيلي) شارعاً رئيسياً في العاصمة الجورجية تبليسي، وقد سُمي تيمناً بشاعر البلاد (شوتا روستافيلي). وهو شاعر جورجي كبير عاش في القرن الثاني عشر، وطُبعت أعماله لأول مرة عام 1712 في تبليسي.
تغيير الديانة.
كورد جورجيا، الذين لا توجد إحصائية رسمية تحدد عددهم، يبلغون وفقاً لجمعية روناهي أكثر من 20 ألف شخص، جميعهم إيزيديون من حيث الديانة، لكن عدداً منهم يقارب 200 شخص غيروا دينهم وأصبحوا مسيحيين.
هؤلاء لا ينكرون كورديتهم فحسب، بل يعملون جنباً إلى جنب مع الكورد الإزديين في جمعية روناهي من أجل قضاياهم القومية.
روزا، فتاة كوردية اعتنقت المسيحية، كانت تعمل في جمعية روناهي دون كلل أو ملل، وتتحدث لغة كوردية متوسطة المستوى، وتعمل جنباً إلى جنب مع أصدقائها الإزديين من أجل القضايا القومية للكورد.
اعتنق ابنا إيسكو داسني، البرلماني الكوردي في البلاد، الديانة المسيحية. ولمقابلة ابنه كنياز داسني، ذهبتُ إلى فندقه الشهير في تبليسي. استقبلني كنياز بلغة كوردية فصيحة، وفي إحدى قاعات الاجتماعات بالفندق، تحدثنا عن أعماله التجارية، حيث تُعد شركته ثاني أكبر شركة في البلاد في مجال البناء، ولديها مشاريع سكنية في 5 مدن.

مشكلة تعلم لغة الأم
تحدث كنياز داسني عن كيفية تعلمه للغة الكوردية قائلاً: "تعلمت الكوردية من والدي ووالدتي، والآن أعلم أطفالي الكوردية بنفس الطريقة، وهم يعرفون القليل منها".
يقيم معظم كورد جورجيا في العاصمة تبليسي، ويُعد حي (كوكي) الحي الذي يحمل طابعاً كوردياً ويعيش فيه معظم الكورد، ويقع في مرتفعات المدينة. توجد مقبرة المدينة في الحي نفسه، وقد خُصص جزء منها للكورد الإزديين. تحمل معظم قبور الكورد رموزاً تشير إلى هويتهم الإزدية، ومن بين القبور قبر يوسف كامل بدرخان.
تبليسي، عاصمة جورجيا، تلك المدينة الساحرة التي بنيت في القرن الخامس، ويبلغ عدد سكانها حوالي مليون وخمسمائة ألف نسمة. وهي وجهة لعدد كبير من السياح الروس والآسيويين والعرب، وتعتمد في دخلها إلى حد ما على السياحة. يعمل الشباب الكورد بأياديهم الماهرة في مهن مختلفة، لكن من الصعب التعرف عليهم. في أحد مطاعم المدينة، سألت نادلاً شاباً بملامح كوردية: ما اسمك؟ أجابني بالإنجليزية: (نيكا- (N îga. سألته: هل أنت كوردي؟ فأجاب بالكوردية: "نعم، أنا كوردي، أفهم الكوردية جيداً لكن لا أستطيع التحدث بها". وفي الحقيقة، لقد تحدث معي بكوردية جيدة طوال حديثنا.
يقول البرلماني الكوردي إيسكو داسني، الذي كان سابقاً المدعي العام لجورجيا وعضواً في البرلمان لثلاث دورات و مازال: "في السابق، كان الآباء والأمهات يتحدثون الكوردية مع أطفالهم، لكن هذا تراجع الآن. المشكلة الكبرى هنا هي أن الطفل يتعلم الجورجية والإنجليزية أولاً ثم الكوردية".
إيسكو داسني، بالإضافة إلى كونه برلمانياً، هو أحد رجال الأعمال البارزين في جورجيا. أثناء حديثنا في مكتبه بأحد البنوك التي يملكها في تبليسي، قال: "عندما آتي إلى كوردستان أشعر بسعادة غامرة لأن الجميع يتحدثون باللغة الكوردية. سألني أطفالي مرة: هل يتحدث الشرطة هناك (في كوردستان) بالكوردية أيضاً؟".
ماريا ألكسندر، شابة كوردية إيزدية تبلغ من العمر 26 عاماً، تجيد اللغات التركية والجورجية والروسية والإنجليزية، لكنها تتحدث لغتها الأم بصعوبة. قالت: "أنا كوردية إيزدية وأود تعلم اللغة الكوردية، لكن لا توجد مدارس كوردية وأصدقائي الكورد قليلون جداً".
لا يخفي زازا كولاشوف، رئيس جمعية روناهي، وجود مشكلة بين الهوية الكوردية والهوية الإيزدية بين الكورد في جورجيا، ويقول: "مشكلتنا الكبرى هي التشتت، نحن نعاني من مشكلة الانقسام بين الكوردية والإيزدية".
وحول اللغة الكوردية، قال زازا كولاشوف: "لدينا مشكلة في تعلم اللغة الكوردية، فلا توجد مدارس ولا معلمون مختصون باللغة الكوردية".

الكوردية والإيزدية
المشكلة الكبرى التي تواجه كورد جورجيا هي الهوية القومية، لأن قسماً منهم يقولون: "نحن إيزديون ولسنا كورداً". استضافنا ماموكا و ماري، وهما عائلة كوردية إيزدية، في منزلهما. لديهما ابنة تبلغ من العمر 12 عاماً، اسمها ليس كوردياً ولا تجيد الكوردية. أما ماموكا، فيعرف بضع كلمات كوردية لا تتجاوز عدد أصابع اليد، وقال لي بصعوبة: "أريد أن أتعلم الكوردية".
ماري داتو، زوجة ماموكا والتي تعمل في محكمة تبليسي، تجيد الكوردية جيداً. تحدثت عن كيفية تعلمها للكوردية قائلة: "كان جدي وجدتي يتحدثان معي بالكوردية ومنهم تعلمتها، لكنني أتمنى وجود مدرسة كوردية لتقوية لغتي".
أثناء جلوسنا في منزل ماموكا وماري، وبينما كنا نحتسي الشاي على الطريقة الكوردية، أخبروني أن صديقاً مقرباً سيأتي، لكنه "إيزدي وليس كوردياً". دخل شركس الغرفة، وألقى التحية بالكوردية ورحبنا به.
بدأ شركس الحديث قائلاً: "نحن إيزديون وديانتنا هي شرف الدين". سألته: "هل تعرف شرف الدين؟" قال: "هو ديانتنا". أوضحت له أن شرف الدين هو رجل دين إيزدي مشهور وقبره في سنجار (شنگال). تحدثنا بالكوردية لمدة ساعتين، وكانت معلوماته عن الكورد وكوردستان قليلة. بعد تلقي المعلومات، سألني عن كيفية زيارة كوردستان: "هل لكوردستان حدود؟ هل توجد نقاط تفتيش على الحدود؟ هل يوجد مطار؟". لم يكن لديه أي علم بأن الكورد يملكون قوات بيشمركة وأسايش وعلماً وسلطة خاصة بهم. وعندما علم بذلك، غمرت السعادة وجهه وتغيرت نظرة ورؤيته 180 درجة.
يتحدث إيسكو داسني بوضوح عن إشكالية "الكوردية والإيزدية" ويشير إلى وجود بعض المشاكل، قائلاً: "ديانتي إيزدية وأنا كوردي القومية. 90% من كورد جورجيا يقولون نحن كورد ويحبون قوميتهم. لا يوجد شيء أسوأ من أن تنكر قوميتك".
انقطاع الشباب
عُقد مؤتمر حول دور الكورد في القوقاز في بناء الأمة بتاريخ 19 تشرين الأول 2025 في تبليسي. في المؤتمر، شعرت بمسافة كبيرة بين الشباب وكبار السن. كان الشباب، حتى وإن كانوا يعرفون الكوردية، منكبين على هواتفهم أو منشغلين بالحديث في جانب من القاعة. وإلى حد ما، لم يكونوا ملامين، لأن مواضيع المؤتمر كانت تاريخية وبعيدة عن اهتماماتهم وشغفهم. ورغم أن زازا كولاشوف ينفي قلة عدد الشباب، إلا أن وجودهم دون التطرق لشغفهم واحتياجاتهم جعلهم يبدون وكأنهم خارج المؤتمر.
أقر إسماعيل كامل، رئيس كونفدرالية الجالية الكوردستانية، بقلة عدد الشباب وعدم مناقشة القضايا الخاصة بهم، وقال: "في العام المقبل سنحاول أن تكون نسبة 50% مخصصة للشباب".
إن تمييز الكورد عن القومية الجورجية في جورجيا أسهل بين كبار السن، لكن يكاد يستحيل تمييز الشباب والتعرف عليهم، في وقت تمر فيه البلاد بتغييرات سياسية وثقافية جذرية، حيث فتحت ذراعيها لروسيا وأدارت ظهرها لأوروبا والغرب.
يحذر إيسكو داسني، وهو عضو في الحزب الحاكم، بشأن مشاركة الكورد في العملية السياسية في البلاد، مشيراً إلى أن المعارضة تعمل كثيراً على استقطاب الشباب الكوردي لضمهم إلى صفوفها.
منذ العام الماضي، ولمدة تزيد عن 300 يوم، يتجمع أنصار أوروبا يومياً في الساعة الثامنة مساءً أمام البرلمان حاملين أعلام الاتحاد الأوروبي وأمريكا، مبدين معارضتهم للسلطة الجديدة المقربة من موسكو. هذه التظاهرات لم تنتهِ بعد. وأحياناً يغلقون الشارع أمام البرلمان، ناهيك عن أنهم أغلقوا أبواب البرلمان لفترة طويلة بأعلام الاتحاد الأوروبي وشعارات متعددة، بينما تراقب قوات الشرطة التظاهرات في الأزقة والشوارع.
علاقة أفضل
على الرغم من أن خطر ذوبان الكورد في هذا البلد كبير، إلا أن الكورد صمدوا كثيراً ويحاولون حماية ثقافتهم ولغتهم. بل إن للكورد دوراً مهماً في البلاد، خاصة في القطاع التجاري، فهم أشخاص أكفاء وأصحاب مشاريع ومبادرات. ولكن من المهم أن يتخذ إقليم كوردستان، كمركز يعقد عليه الكورد الآمال من جميع أنحاء العالم، بعض الخطوات لمساعدة كورد جورجيا في نضالهم من أجل البقاء ككورد، ومنها:
أولاً: المساعدة في فتح مدارس أو تدريس دروس باللغة الكوردية. من الأفضل أن تقوم وزارة التربية باستقدام عدد من الكورد في جورجيا إلى إقليم كوردستان لتعلم اللغة الكوردية وإعدادهم كمعلمين.
ثانياً: أن تخصص وزارة التعليم العالي سنوياً عدداً من المقاعد الدراسية في جامعات كوردستان للطلاب الكورد في جورجيا، مثل الفرصة التي تُمنح سنوياً لعدد من الطلاب من أجزاء كوردستان الأخرى.
ثالثاً: أن ينظم إقليم كوردستان سنوياً رحلات لعدد من الشباب الكورد في جورجيا ممن ليس لديهم معلومات عن كوردستان، لأن رؤية كوردستان بهذا الشكل وتلقي المعلومات سيغير مشاعرهم تجاه قوميتهم.
رابعاً: أن تولي المؤسسات الكوردستانية اهتماماً أكبر بقضية الشباب الكورد في دول العالم، وإجراء المزيد من البحوث العلمية حول تطوير قدرات الشباب في تلك الدول، ونشر نتاجات الشباب الكورد في تلك الدول داخل كوردستان وفي بلدان أخرى.
خامساً: من المهم أن تفتح حكومة إقليم كوردستان ممثليات في الدول التي يشكل الكورد جزءاً من مجتمعها، وكذلك السعي لفتح قنصليات لتلك الدول في أربيل.



