رووداو ديجيتال
شدد ناجي حرج،
مدير مركز جنيف الدولي للعدالة على أهمية "التعامل مع ضحايا المقابر الجماعية
التي اكتشفت مؤخراً بمنطقة الصقلاوية في محافظة الأنبار وفق المعايير الدولية"،
وأفاد: "لدينا أسباب جدّية تدفعنا إلى التشكيك في الطريقة التي أُعلن فيها عن
هذه المقابر، لا في أصل وجود المقابر بحدّ ذاته. اعتراضنا الأساسي يتعلق بالطريقة
المتعجلة التي سارعت بها جهات رسمية إلى الإعلان عن ماهيّة الضحايا والفترة
الزمنية التي دفنوا بها قبل إجراء أي فحصٍ جنائي مستقل".
كانت وكالة
الأنباء العراقية قد نقلت عن (مؤسسة الشهداء)، أنه تمت المباشرة بفتح سبع مقابر
جماعية في منطقة عكاز بناحية الصقلاوية بمحافظة الأنبار، تعود إلى حقبة
"النظام المباد" في ثمانينيات القرن الماضي.
في حوار مع
شبكة رووداو الإعلامية، اليوم الإثنين، (1 حزيران 2026)، قال حرج إن "الدولة مسؤولة عن ضمان حقّ الضحايا وعائلاتهم في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
وللتأكيد، فإن جبر الضرر هنا لا يعني التعويض المالي فقط، بل هو سلسة إجراءات قانونية
تحدّدها المعايير الدولية، يشمل الاعتراف الرسمي بالضحايا، كشف الحقيقة، إعادة
الرفات إلى العائلات بكرامة، الاعتذار عند الاقتضاء، إعادة الاعتبار، ضمانات عدم
التكرار، ومحاسبة المسؤولين. ونؤكد هنا أن التعويض يجب أن يكون لجميع الضحايا دون
تمييز بين عربي وكوردي وتركماني ومسلم أو غير مسلم".
في ما يلي نص
الحوار:
رووداو: طالب
مركزكم (مركز جنيف الدولي للعدالة) السلطات العراقية بفتح تحقيق مهني مستقل في
المقابر الجماعية التي أُعلن عن اكتشافها مؤخراً بمحافظة الأنبار، الصقلاوية، هل
عندكم أدلة أو شكوك في صحة ما أعلن رسمياً بصدد هذه المقابر؟
ناجي حرج:
نعم، لدينا أسباب جدّية تدفعنا إلى التشكيك في الطريقة التي أُعلن فيها عن هذه
المقابر، لا في أصل وجود المقابر بحدّ ذاته. اعتراضنا الأساسي يتعلق بالطريقة
المتعجلة التي سارعت بها جهات رسمية إلى الإعلان عن ماهيّة الضحايا والفترة الزمنية
التي دفنوا بها قبل إجراء أي فحصٍ جنائي مستقل، وقبل فحوصات الحمض النووي، وقبل
الاستماع إلى شهادات أهالي المنطقة وعائلات المغيبين الذين يعتقدون أنها تعود
لأبنائهم.
رووداو: ما المعلومات
التي وصلتكم ومدى صحتها؟
ناجي حرج:
المعلومات التي وصلتنا من من أهالي المنطقة، ومن منظمات محلية، تشير إلى أن
المقابر المكتشفة تقع في منطقة كانت تتحرك فيها ميليشيات عام 2015، في الوقت ذاته
الذي شهدت فيه الصقلاوية عمليات تغييب واسعة، ونحن لدينا شهادات ميدانية على إعدام
لمئات الأشخاص بعد لجوئهم إلى وحدة عسكرية تابعة للميليشيات. كما أنّ هناك عائلات
كثيرة في المنطقة ما زالت تبحث عن أبنائها الذين اختفوا خلال تلك الأحداث، بعد
لجوئهم إلى معسكر الميليشيات. لذلك فإن إعلان هوية الضحايا أو زمن دفنهم في يوم
الاكتشاف، أو قبل المباشرة بالفحوصات الفنية والجنائية، يثير ريبة مشروعة. فهذه
المآسي يجب ألّا تكون قضية سياسية أو إعلامية، بل مسرح جريمة محتمل، يجب التعامل
معه على هذا الأساس، لا على أساس رواية معدّة مسبقاً.
رووداو: هل
تعتقدون أن هذه النتائج نهائية ومحسومة؟
ناجي حرج: نحن
لا نقول إن النتيجة النهائية محسومة، بل نقول العكس تماماً: لا يجوز لأية جهة أن
تحسم هوية الضحايا أو الجهة المسؤولة قبل انتهاء الفحوصات المستقلة. ما نطالب به
هو تحقيق مهني مستقل وشفاف، يشارك فيه خبراء الطب العدلي، وممثلو العائلات،
والسلطات المحلية في الأنبار، ومنظمات المجتمع المدني، ومراقبون دوليون، حتى تُعرف
الحقيقة على أساس الأدلة لا التصريحات. كما أن لدينا
قلقاً من أن بعض الجهات الرسمية، ولا سيما مؤسسة الشهداء، تتعامل مع فتح المقابر
الجماعية بوصفه حدثاً سياسياً وإعلامياً، لا بوصفه إجراءً جنائياً وحقوقياً. وقد
وصلتنا شهادات كثيرة تؤكد أن المؤسسة تمارس تمييزاً بين الضحايا على أسس طائفية،
سواء في الاعتراف الرسمي أم في التعويضات. ولذلك فإن منحها دوراً أساسياً في صياغة
الرواية حول المقابر يهدّد حياد العملية ويقوّض ثقة العائلات. مهمّة دائرة
الشهداء، ودائرة المقابر الجماعية هي المساهمة في الأعمال الفنيّة، لا تحويل
الموضوع إلى قضية سياسية أو طائفية بحسب أهواء وتوجهات من يقودهما.
رووداو: بعد
2003 اكتشفت مقابر جماعية تضم ضحايا من الكورد، ومنها المقابر الموجودة حول معتقل
نقرة السلمان نتيجة جرائم اقترفها عجاج التكريتي، الضابط السابق في أجهزة الأمن
العراقية إبان النظام السابق. هل هناك أحكام أو قوانين دولية تتعلق بمعاقبة
المتسببين بالمقابر الجماعية سواء ارتكبت قبل أم بعد 2003؟
ناجي حرج: من
حيث المبدأ، نعم. القانون الدولي لا يميّز بين الضحايا على أساس الزمن أو القومية
أو الطائفة أو الانتماء السياسي. كلّ مقبرة جماعية يجب أن تُعامل بوصفها مسرحَ
جريمة محتملاً، وكلّ من يثبت تورّطه في القتل الجماعي أو الإعدام خارج القضاء أو
الإخفاء القسري أو التعذيب أو دفن الضحايا سراً، يجب أن يخضع للمساءلة، سواء وقعت
الجريمة قبل عام 2003 أم بعده.
رووداو: دولياً،
ما هو تصنيف جرائم المقابر الجماعية؟
ناجي حرج:
الجرائم المرتبطة بالمقابر الجماعية قد ترقى، بحسب الظروف والأدلة، إلى جرائم ضدّ
الإنسانية أو جرائم حرب أو إبادة جماعية أو جرائم قتل خارج نطاق القضاء أو اختفاء
قسري. وهذه الجرائم تترتب عليها مسؤولية جنائية لكل من ساهم فيها ولمن أعطى الأوامر
وكذلك من عمل أو يعمل على إخفائها، سواء أكان مسؤولاً في الدولة، أم موظفاً في
مؤسسة، أم طبيباً في لجان الفحص، أم صحفياً. ولا يجوز الاكتفاء بإدانة سياسية عامة
أو الهروب باتجاه تحميل مرحلة تاريخية كامل المسؤولية دون تحقيق قضائي يحدّد
الجناة وسلسلة الأوامر والجهات التي نفذت أو سهلت أو تسترت على الجريمة، وكلّ من
يحاول العبث بالأدلّة.
رووداو: هل
تتحمل الحكومات المتعاقبة والحالية مسؤولية دفع التعويضات المعنوية والمادية
لعوائل ضحايا المقابر الجماعية؟
ناجي حرج:
بخصوص التعويض، فإن الدولة مسؤولة عن ضمان حقّ الضحايا وعائلاتهم في الحقيقة
والعدالة وجبر الضرر. وللتأكيد، فإن جبر الضرر هنا لا يعني التعويض المالي فقط، بل
هو سلسة إجراءات قانونية تحدّدها المعايير الدولية يشمل الاعتراف الرسمي بالضحايا،
كشف الحقيقة، إعادة الرفات إلى العائلات بكرامة، الاعتذار عند الاقتضاء، إعادة
الاعتبار، ضمانات عدم التكرار، ومحاسبة المسؤولين. ونؤكد هنا أن التعويض يجب أن
يكون لجميع الضحايا دون تمييز. فلا يجوز أن تُعوض عائلة لأنها تنتمي إلى مكوّن
معين، بينما تُهمل عائلة أخرى أو تُخضع لإجراءات معقدة لأنها تنتمي إلى مكوّن آخر.
العدالة الانتقائية ليست عدالة. وأي حكومة عراقية، حالية أو لاحقة، ملزمة بالتعامل
مع جميع الضحايا بمعايير واحدة، سواء كانوا من الكورد أم العرب أم التركمان، أم
كانوا مسلمين أم مسيحيين، سنّة أم شيعة، أم غيرهم، وسواء وقعت الجريمة قبل 2003 أم
بعده.
رووداو: شددتم
في بيان مركزكم على أن إدارة المقابر الجماعية يجب أن تتم وفق المعايير الدولية.
ما هي المعايير الدولية بهذا الخصوص؟
ناجي حرج:
المعايير الدولية في التعامل مع المقابر الجماعية واضحة في جوهرها، وتقوم على مبدأ
أساسي: المقبرة الجماعية ليست موقعاً إعلامياً أو سياسياً، بل مسرح جريمة محتمل، تجب
حمايته والتحقيق فيه مهنيًاً. أول هذه المعايير هو تأمين الموقع فوراً ومنع العبث
به أو دخول غير المختصين إليه. يجب الحفاظ على المكان كما هو، لأن أي تحريك غير
مهني للرفات أو الأدلة قد يؤدي إلى إتلاف معلومات لا يمكن تعويضها. وهذا يقع على
المحافظة التي تقع فيها المقبرة وليس من مسؤولية أي جهة أخرى. ويجب أن تتم عملية
الفتح والتنقيب من قبل فرقٍ مختصة ومستقلة في الطبّ العدلي والأدلة الجنائية، من
العاصمة ومن المحافظة، مع توثيقٍ كامل للموقع، والتصوير، والرسم، وتحديد
الإحداثيات، وتسجيل مكان كل رفات وكل قطعة ملابس أو وثيقة أو أثر مادي. كما يجب
الحفاظ على سلسلة الحيازة، أي معرفة من تسلّم الدليل، ومن نقله، وأين حُفظ، ومن
فحصه، بحيث لا يمكن التلاعب بالرفات، أو الأدلة أو استبدالها أو فقدانها.
رووداو: ماذا
عن إجراء فحوص الحمض النووي DNA؟
ناجي حرج: من
المهم جداً إجراء فحوصات الحمض النووي ومطابقتها مع عينات تؤخذ من عائلات
المفقودين، مع إنشاء قاعدة بيانات وطنية شفافة للمفقودين والمغيبين قسراً، بحسب الاحتمال
الأقرب فالأبعد، بالنسبة لظروف المنطقة التي وجدت فيها المقبرة. ويجب الاستماع إلى
شهادات الأهالي والناجين وسكّان المنطقة، لأنهم قد يمتلكون معلومات أساسية عن زمن
الجريمة، وموقع الدفن، وهوية الضحايا، والجهات التي كانت تسيطر على المنطقة.
وإشراك عائلات الضحايا وممثلي المجتمع المدني والسلطات المحلّية والمراقبين
الدوليين بما يضمن به سلامة التحقيق، لأن الثقة لا تُبنى إلّا بالشفافية.
رووداو: في ما
يتعلق بمقابر الصقلاوية، سمعنا تصريحات إعلامية قبل أن تظهر النتائج الرسمية بحسب
المواصفات الدولية التي ذكرتها آنفا؟
ناجي حرج: يجب
منع أي تصريح رسمي أو إعلامي يحدّد هوية الضحايا أو زمن الوفاة أو الجهة المسؤولة
قبل انتهاء الفحوصات. فالنتائج يجب أن تصدر من المختبرات والأدلة، لا من المنصات
الإعلامية. ويجب إعلان النتائج للعائلات والرأي العام بوضوح، بما يشمل هوية
الضحايا، وتاريخ الوفاة التقريبي، وسبب الوفاة، ودلائل على إعدام أو تعذيب أو
تقييد أو دفن سري.
رووداو: هل من
حق الأمم المتحدة التدخل مباشرة لفحص رفات ضحايا المقابر الجماعية في العراق؟
ناجي حرج: على
الرغم من أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الدولة العراقية، لأنها صاحبة الالتزام
القانوني بحماية المقابر، والتحقيق في الجرائم، والتعرّف إلى الضحايا، وإبلاغ
العائلات بالحقيقة. لكن في ظلّ الاحتياجات والنقص بالمواد والمعدّات، فضلاً عن وجود
شكوكٍ جدّية بعدم الحياد، أو خشية من طمس الأدلة، أو تسييس التحقيق، أو إقصاء
العائلات والمجتمع المدني، يصبح من الضروري المطالبة برقابة أو مشاركة دولية
مستقلة. أما الأمم المتحدّة أو الجهات الدولية المتخصّصة، فيمكن أن يكون لها دور
مهم، سواء عبر تقديم الخبرة الفنية، أم مراقبة الإجراءات، أم دعم فحوصات الهوية، أم
مطالبة الحكومة بتقديم معلومات، أم إرسال بلاغات ومراسلات رسمية إلى الدولة. وفي
بعض الحالات، يمكن أن يتم ذلك بناءً على طلب الدولة، أو ضمن ولاية آليات الأمم
المتحدة، أو عبر ضغط دولي عندما يكون هناك خطر على الأدلة وحقوق الضحايا.
رووداو: وماذا
عن دور مراكز ومنظمات حقوق الإنسان، هل من حق مراكز حقوق الإنسان؟
ناجي حرج:
مراكز حقوق الإنسان لا تقوم عادة بفحص الرفات بنفسها، لأنها ليست جهات طب عدلي.
لكنها تستطيع أن توثق الشهادات، تراقب الإجراءات، تطالب بالشفافية، ترفع المعلومات
إلى الأمم المتحدة، وتحمي حق العائلات في الحقيقة والعدالة. كما يمكنها أن تطالب
بإشراك خبراء مستقلين ومراقبين دوليين. هذا ما نقوم به. نحن لا نطالب باستبدال
الدولة، بل نطالب بأن تقوم الدولة بواجبها وفق المعايير الدولية، وتحت رقابة
مستقلة وشفافة. وإذا كانت السلطات العراقية واثقة من روايتها، فينبغي ألّا تخشى
مشاركة العائلات، ولا حضور المراقبين الدوليين، ولا الفحص الجنائي المستقل.
والمهم، هو الوصول إلى الحقيقة دون تزوير.
