رووداو دیجیتال
أجرى محمد شيخ فاتح من شبكة رووداو الإعلامية حواراً مع أحمد الطبقجلي الباحث في معهد الدراسات الإقليمية والدولية (IRIS) الذي يتخذ من الجامعة الأميركية بالسليمانية مقراً له، وهو صاحب المقولة الشهيرة "النقد هو السيد" في الاقتصاد العراقي، ويقصد به أن المال النقدي (كاش) هو الذي يدير الاقتصاد العراقي وهو يرى أن عدو الاقتصاد العراقي هو النقد الذي يتداوله عامة الناس والشركات والمصارف.
أدناه نص أسئلة محمد شيخ فاتح وأجوبة الباحث في معهد IRIS أحمد الطبقجلي:
رووداو: السيد الطبقجلي، شكراً على إتاحة هذه الفرصة. يسرني أن أبدأ أولاً برأيكم في النظام المصرفي في العراق، وهل لدينا في العراق نظام مصرفي متقدم فعلاً؟ والاقتصاد العراقي الذي يبلغ نحو 200 ترليون دينار، هل يمكن أن يدار بدون نظام مصرفي؟
أحمد الطبقجلي: شكراً لهذه الاستضافة. يسرني أني معكم في هذا المنتدى. أجل، ما قلتموه في البداية عن أن أي اقتصاد حديث لا وجود له في غياب المصارف، هذا صحيح تماماً. فللمصارف دور كبير في أي اقتصاد. لكن أغلب الناس لا يدركون دور المصارف، والسبب هو أننا لا نفهم طبيعة المصارف. فالمصارف هي التي تصنع المال بصورة غير متوقعة، وتصنع المال الذي يمنح الناس قدرة شرائية، ويوسع الاقتصاد. ليس عندنا في العراق نظام مصرفي من هذا النوع، بل عندنا مؤسسات تسمى بالمصارف، وتمارس المهام البدائية للمصارف، لكنها ليست مصارف حقيقية. قسم من هذا تتحمل المصارف المسؤولية عنه، والقسم الآخر مرتبط بالخطأ الأساس لأهالي العراق. مع ذلك، علي أن أقر بأن هناك بعض المصارف، واحد أو اثنان أو ثلاثة، أو حتى خمسة مصارف تعمل عمل المصارف الحقيقية. لكن مشكلتنا مشكلة هيكلية. ربما تذكر أننا نشرنا قبل أسبوعين أو ثلاثة في معهد الدراسات الإقليمية والدولية تقريراً أشرت خلاله بالتحديد إلى دور المصارف. حقاً عدد المصارف في العراق صغير، لدينا الكثير من المصارف لكنها لا تعمل عمل المصارف كما يجب.
رووداو: ما هو الاختلاف بين مصارف العراق والمصارف الحقيقية؟ تحدثتم عن امتلاكنا مؤسسات تسمى المصارف لكننا نفتقر إلى مصارف حقيقية. ماذا تقصدون بهذا؟
أحمد الطبقجلي: النقد هو الغالب في النظام المصرفي العراقي كما تعلمون. فإن مددت يدك في جيبك في أي محل أو مطعم أو غيره فستدفع نقداً. أنت لا تستخدم حساباً مصرفياً. هذا يخلف آثاراً كبيرة على نظام مصرفي متقدم، أن نستخدم النقد. رغم أن النقد له جاذبيته، أن تضع المال في جيبك وتراه بعينيك، لكن ما دمنا لا نستخدم المصارف في الدفع وفي حفظ الأموال، لن يكون عندنا نظام مصرفي حقيقي. هذا واحد من الأسباب التي تحول دون امتلاكنا نظاماً مصرفياً صحيحاً حتى الآن. لأن المال النقدي هو الغالب، هو الغالب في تداول العملات وعند حفظ المال، وفي كل الحالات. المصارف الآن تأتي في المرتبة الثانية بعد النقد. بينما الحال على العكس من هذا في العالم المتقدم، وحتى في المنطقة. النقد يشكل نسبة ضئيلة من عملية تداول الأموال.
رووداو: الدراسة التي أجريتموها في معهد الدراسات الإقليمية والدولية، تشير إلى أن القطاع المصرفي هو واحد من أسباب الفساد في العراق ويشهد أكبر جزء من الفساد. هل تعتقدون أن النقد هو عامل رئيس، ولماذا ترون أن المال النقدي وبال على القطاع الاقتصادي العراقي؟
أحمد الطبقجلي: أعتقد أن النقد (كاش) هو أسوأ الأعداء، فلو أنعمت النظر فيما يفعله النقد، وما تفعله المصارف، وكيف تسيّر المصارف أمورها. ما يفعله المصرف عندما تنشئ لنفسك حساباً عادياً، حساباً جارياً وحساب توفير، حساب التوفير هو المكان الذي تحفظ فيه أموالك، والحساب الجاري هو الذي تجري به أعمالك وتداولاتك اليومية، فإن أردت مثلاً أن تدفع باستخدام بطاقة ديبيت أو كريدت أو عبر النت فإنك تستخدم هذا الحساب. تحتفظ المصارف بمبالغ نقدية كبيرة، ويمكنها أن تستخدم هذا النقد في منح قروض للناس، وعندما يكون النقد هو السائد يجب أن تكون لدى المصارف إمكانيات فائقة للعادة، لأنها لا تمتلك من المال ما يلزم لإعطائه للناس. في كل دقيقة، يمكن أن يذهب أي شخص إلى المصرف وأن يفقد المصرف كل المال الذي عنده. لذا تعمل المصارف كحافظات للأموال النقدية، بدلاً أن تعمل كمصارف، لأن هذه الصيغة في العمل تمنعهم من ذلك.
رووداو: يشير آخر إحصائيات البنك المركزي العراقي إلى وجود نحو 60 ترليون دينار عراقي خارج النظام المصرفي، في البيوت والشركات وغيرها. ما الضرر الذي يسببه وجود هذه الأموال النقدية خارج النظام المصرفية؟ وما الضرر الذي تلحقه بالاقتصاد العراقي؟
أحمد الطبقجلي: الضرر الرئيس يكمن في غياب نظام مصرفي متقدم. ما نكرره كثيراً في العراق هو أنظر إلى الأساس المالي أو ما يسمى "الكتلة النقدية"، هذا الأساس المالي هو عبارة عن نقد بصورة كلية تقريباً. الأساس المالي يشكل الأموال التي يتألف منها النظام المالي، و75% من هذا النظام يتألف من أموال نقدية، وكما ذكرتم، هذا النقد يجري الآن تداوله خارج النظام المصرفي. لا يمكن للمصارف أن تعمل بهذا الأسلوب. نحن في العراق ننظر إلى هذا الموضوع بصورة خاطئة. نحن لا نريد زج كل هذا المال في النظام المصرفي، بل أن ما نريده هو إدخال جزء من هذا المال في النظام المصرفي، وبذلك ستتمكن المصارف من صناعة أموال تعادل 20 إلى 30 ضعف تلك المبالغ.
رووداو: هل قدمتم حتى الآن أي مقترح صلد للحكومة أو البنك المركزي يعيد لشعب العراق ثقته بالقطاع المصرفي؟
أحمد الطبقجلي: هذا يجب أن يكون من الجانبين. لا يمكنك أن تقنع الناس بأن يثقوا بالنظام المصرفي بينما الحكومة نفسها لا تثق بالنظام المصرفي. فلو دققت فيما تفعله الحكومة، وما هو أكبر أخطائنا في العراق؟ ستجد أن مشكلتنا الكبرى في العراق هي، كما أسلفت، امتلاكنا لنظام مصرفي صغير، وهو أيضاً لا يعمل كنظام مصرفي، وفي نفس الوقت تسيطر البنوك التابعة للدولة على هذا النظام. فمصرفا الرافدين والرشيد هما المسيطران، وبعدهما يأتي مصرف العراق للتجارة. هذه المصارف الثلاثة تستحوذ على نحو أكثر من 85% من المدخرات والقروض. لذا، إن كانت الحكومة نفسها لا تتعامل مع مصارف القطاع الخاص، والحكومة نفسها لا تستخدم النظام المصرفي بالشكل الصحيح، كيف يمكن لها أن تقنع الناس! ما فعلناه نحن هو "التوطين"، والتوطين يؤدي العمل بصورة جيدة، لكنه يؤدي نصف المهمة، لذا وبدلاً من أن تذهب إلى مكتب وتضع كل المال في جيبك نقداً، تذهب إلى مصرف وتسحب المال.
رووداو: أود أن أسأل عن المصارف الرقمية، وقد تحدثنا في البداية عن أن الناس لا تثق بالنظام المصرفي. ما مدى استعداد البنية التحتية الاقتصادية والمالية العراقية للعمل بالمصارف الرقمية؟ ألا ترى أن المصارف الرقمية هي الدواء لداء العراق؟
أحمد الطبقجلي: أعتقد أن الخدمة المصرفية الرقمية مهمة للغاية، بل هي حيوية وتشكل قسماً رئيساً من العملية. فعندما تبدأ الدفع بالبطاقة، سواء أكانت كريديت أو ديبيت، فهذا يعني أنك تضع مالك في النظام المصرفي، وهذا يعني أن المصرف سيصبح جزءاً من عملية التداول. هذا مهم، لكننا في بعض الأحيان نحتاج إلى دافع، تحقق جزء من هذا الدافع في السنة الماضية، فبسبب حظر التجوال عمد بعض طلبتي في الجامعة الأميركية بالسليمانية إلى استخدام الخدمات المصرفية الرقمية عند الدفع. لهذا فإن ذلك سيحدث في الأخير، لكن على الحكومة في ظل هذه الظروف أن تباشر بالعمل. نحن بحاجة إلى مساعدة من الحكومة.


