رووداو ديجيتال
أكد وزير الثقافة اللبناني غسان
سلامة أنه لا مانع من تعليم اللغة الكوردية للطلاب الكورد في لبنان.
وقال غسان سلامة في مقابلة مع
شبكة رووداو الإعلامية، أجرتها معه نالين حسن، إنه "ليس هناك ما يمنع تعليم
الطلاب الكورد في لبنان باللغة الكوردية؛ ففي لبنان توجد أقليات لغوية (إلى جانب
الدينية) مثل الأرمن والكورد، وبإمكانهم تخصيص ساعات لتدريس لغتهم القومية. لا شيء
يمنع أبداً إنشاء مدرسة في بيروت تتيح تعليم الكوردية لأبنائهم".
وأشار وزير الثقافة اللبناني إلى
أن "غالبية المدارس والجامعات في لبنان تابعة للقطاع الخاص، ولدينا مثلاً 52
جامعة؛ واحدة رسمية و51 جامعة خاصة".
أدناه نص المقابلة:
رووداو: بين أربيل الأمس وأربيل
اليوم، ما الذي لفت انتباهك؟
غسان سلامة: تكاد أربيل اليوم لا
تكون لها علاقة بأربيل الأمس. أنا غبتُ عن أربيل لفترة 23 عاماً، أي ربع قرن
تقريباً، لكن تركتُ أربيل في عام 2003 في حال، وعُدتُ إليها في حالٍ مختلفة
تماماً؛ إذ تمخرها السيارات الفارهة في طرق سريعة (Highways) متقدمة
وجيدة، وتملأ فروعَها الأبنيةُ العالية التي لم يكن لها أثر عندما زرتُ أربيل
للمرة الأولى. الناس هم الناس طبعاً، لكن هنا أيضاً حجم المدينة أعتقد أنه تضاعف
خمس أو ست مرات خلال هذه الفترة. إذاً نحن نرى هنا عنصرين متلازمين: الهجرة نحو
المدينة، ونتائج النزاعات الإقليمية. فالهجرة نحو المدينة من الريف هي ظاهرة تعم
مناطق المشرق عموماً، وسريعة جداً، وتتأثر بها مدن مثل بيروت ودمشق وحلب والموصل
وغيرها. والنزاعات تأتي باللاجئين والنازحين إلى كل هذه المدن عندما يتوفر فيها
قدر من الاستقرار، وهذا هو بحمد الله حال أربيل.
رووداو: كيف تقيّم زيارتك إلى
إقليم كوردستان واجتماعك مع الرئيس مسعود بارزاني؟
غسان سلامة: أولاً كان لدي شوق
حقيقي لملاقاته لأنني لم ألتقِ به منذ سنوات؛ آخر مرة التقيت به كانت في باريس
وكانت الحرب على أشدها مع داعش، فأعطانا حينها صورة واضحة ومطولة ومعززة بمقاطع
فيديو عن أحوال الحرب آنذاك. ولم ألتقِ به منذ ذلك الوقت، لذا سررتُ بالالتقاء به بعد
كل هذه المدة، وسررتُ بحيويته التي عهدتها عنده منذ أن التقيته للمرة الأولى في
عام 2003 بعد سقوط النظام هنا في العراق. طبعاً جئتُ هذه المرة بصفة أخرى غير صفتي الأممية التي عُرفتُ بها في
العراق، جئتُ بصفتي الثقافية، وأنا مسرور بأن يكون افتتاح معرض الكتاب هو المناسبة
التي تعود وتربطني بفخامة الرئيس، وبأربيل وبعموم أبنائها.
رووداو: دعني أسألك عن
"دبلوماسية الكتاب" كونك هنا بصفة وزير الثقافة؛ هل مازالت هذه
الدبلوماسية حاضرة في وقتنا الحالي وأنت تعلم أن عدد القراء في تناقص؟
غسان سلامة: القراءة أمر ليس
بالوضوح الذي يعتقده البعض؛ أنا لست ممن اقتنعوا بفكرة أن الكتاب قد مات وأن
القراءة قد توفيت ودُفنت، لست من هذا الرأي، وسأقول لكِ لماذا.
رووداو: هل تحتضر؟
غسان سلامة: لا أبداً، على
الإطلاق؛ بل تتغير وظيفتها.
رووداو: كيف؟
غسان سلامة: القراءة الورقية
تاريخياً كان هدفها أمرين: التعلم والتمتع. التعلم من خلال الكتب التي تعلمك هذه
المهنة أو تلك، والتمتع بكتابات دوستويفسكي وفولتير وكل من تريدين من كبار
الكُتّاب. لكنها كانت تؤدي وظيفة لم نكن نتنبه إليها حتى وقت قريب، وهي: التعود
على التركيز الذهني؛ فعندما تقرئين كتاباً من 500 صفحة، لا يمكنكِ التوقف كل عشر
دقائق للقيام بشيء آخر، فهي قراءة مستمرة وبطيئة. لم نكن ندرك قيمة هذه القراءة حتى جاء الحاسوب وخصوصاً الهاتف الجوال،
فأصبحت قراءتنا متقطعة ومشوشة للذهن؛ لأننا ننتقل من موضوع إلى موضوع ومن رأي إلى
رأي خلال ثوانٍ. وبالتالي لم يعد لدينا قراءة متواصلة وبطيئة، قراءة قد تكون مملة
أحياناً لكنها قادرة على مساعدتنا على التركيز الذهني. وما رأيناه منذ نحو 10 سنوات في دراسات علمية معمقة هو أن تأثير هذا
الأمر أقوى على المراهقين؛ إذ يعانون من تشتت فكري وذهني غير طبيعي، وسببه الرئيسي
إدمانهم على الهاتف المحمول والقراءة المتقطعة.
رووداو: والآن الذكاء الاصطناعي
أيضاً.
غسان سلامة: الذكاء الاصطناعي
سيضيف بعداً آخر يمكن أن نتحدث عنه؛ لكن هذا يقودنا إلى ضرورة الدفع مجدداً نحو
القراءة والمطالعة لمساعدة هؤلاء الفتية على استعادة التركيز. ففي عدد كبير من
المجتمعات الأكثر تقدماً اليوم، نجد أن ثلث الأولاد عاجزون عن التركيز لأكثر من 20
ثانية في أي موضوع! وهذا أمر في غاية الخطورة؛ فكيف يمكنهم بلوغ سن الرشد وأذهانهم
مشتتة إلى هذا الحد؟ لذلك، اكتسبت القراءة والمطالعة وظيفة جديدة: أصبحت دواءً
للتشتت الذهني.
رووداو: وماذا يضيف الذكاء
الاصطناعي، هل يهدد مستقبل الكُتّاب والمثقفين؟
غسان سلامة: الذكاء الاصطناعي قصة
ثانية تماماً؛ الذكاء الاصطناعي ليس مزحة، هو ثورة داخل الثورة.
رووداو: هل يهدد مستقبل الكُتّاب
والمثقفين؟
غسان سلامة: بالتأكيد، بل ويهدد
مستقبل معظم الوظائف بالشكل الذي نعرفه؛ في الطب، والهندسة، والتحليل، والمحاماة،
والأدب، وفي كل هذه المجالات. بدأت ثورة الاتصالات منذ نحو 30 عاماً وأفرزت
الهاتف الجوال والحاسوب والإنترنت، وداخل هذه الثورة وُلدت ثورة أعمق وأكثر جذرية
هي ثورة الذكاء الاصطناعي. وقد أطلقتُ عليها بالأمس في محاضرتي تعبير:
"استقالة الإنسانية من نفسها"؛ بمعنى أنها باتت تتكل على الآلة لتقوم
بكل ما ينبغي للإنسان أن يقوم به. فالذكاء الاصطناعي يزودني يومياً بأخبار العالم وفق ما أطلبه تماماً
وبالتفصيل، ولكنه يستطيع أيضاً أن يحل مكاني فيكتب خطبي وكتبي ومقالاتي، ويستطيع
أن يحل مكان الطبيب فيقدم النصائح والإرشادات الطبية، ومكان المحامي فيبحث في
تاريخ الاجتهاد القضائي أسرع من أي محامٍ، ويأخذ مكاني كمهندس زراعي سابق ليقدم
الإرشادات الزراعية... إنه استقالة شاملة. الذكاء الاصطناعي على وشك أن يقضي على معظم الوظائف كما عرفناها لقرون؛
فهو سيقوم بكل شيء، باستثناء أمرين: ليس لديه عواطف، وليس لديه أخلاق، وهذا ما
سيميز الإنسان عنه. أما في مجال العمل، فقد يصل به الأمر إلى إشعال حرب دون علمك
ودون إذنك؛ إلى هذه الدرجة تكمن خطورته.
رووداو: لننتقل إلى الجانب الشخصي؛
يومياً أو شهرياً، كم كتاباً تقرأ؟
غسان سلامة: يعتمد ذلك على طبيعة
العمل. عندما كنت أعمل في الجامعة كنت أقرأ كثيراً، لكني كنت مرغماً على قراءة
أطروحات الدكتوراه والتحضير للمحاضرات. أما خلال عملي في الأمم المتحدة أو كوزير،
فإن عدد الكتب التي يتسنى لي قراءتها يتقلص.
رووداو: إلى كم؟ ما هو المعدل
الشهري تقريباً؟
غسان سلامة: ربما ثلاثة أو أربعة
كتب.
رووداو: وفي أي المجالات؟
غسان سلامة: في مجالات ترتبط
بالأحداث العالمية وتطورات النظام الدولي؛ لأن اختصاصي الأساسي هو العلاقات
الدولية، وعيني دائماً على تطور النظام العالمي كأحد أبرز اهتماماتي، حتى أصبح ذلك
جزءاً من روتيني الصباحي اليومي.
رووداو: وهل قرأت كتباً عن الكورد؟
وما هو أفضل كتاب قرأته في هذا الإطار؟
غسان سلامة: لا يمكنني الإجابة
بدقة، لأنني في الآونة الأخيرة لم أقرأ الكثير من الكتب عن المنطقة أو عن الكورد
تحديداً؛ لكني كتبتُ ولم أكتفِ بالقراءة فقط، ففي كتابي "المجتمع والدولة في
المشرق العربي" تناولتُ القضية الكوردية بالتفصيل. وحالياً أُهديتُ في هذه
الزيارة مجموعة كبيرة من الكتب حول المسألة الكوردية تكفي لملء الأسابيع القادمة
من حياتي وسأقرؤها حين يتسنى لي الوقت.
رووداو: هل لديك أصدقاء من الكورد،
سواء كانوا سياسيين أم كُتّاباً؟ ومن أكثر شخصية كوردية أثرت فيك؟
غسان سلامة: أصدقائي إجمالاً هم
من السياسيين الكورد أكثر من الكُتّاب؛ فالجانب الدبلوماسي يطغى على الثقافي لدي.
تعاملت كثيراً مع "مام جلال" (جلال طالباني) عندما كنت في بغداد
والتقيته في بيروت ونيويورك، والرئيس مسعود بارزاني كانت ولاتزال تجمعني به صلة
طيبة. وهناك صداقة قديمة مع قارئ نهم يقرأ أكثر مني وهو هوشيار زيباري، وصداقة
قديمة مع برهم صالح. فعلاقاتي مع الكورد سياسية الطابع في الغالب.
رووداو: هناك كورد في لبنان،
بعضهم حصل على الجنسية وآخرون مقيمون لم يحصلوا عليها، لكنهم كمكوّن لم ينالوا
حقوقاً سياسية. أنتم كمدافع عن الحقوق الثقافية والسياسية للشعوب، ألم يحن الوقت
لتعليم اللغة الكوردية للطلاب الكورد في لبنان؟
غسان سلامة: ليس هناك ما يمنع ذلك
قانوناً؛ ففي لبنان توجد أقليات لغوية (إلى جانب الدينية) مثل الأرمن والكورد،
وبإمكانهم تخصيص ساعات لتدريس لغتهم القومية. لا شيء يمنع أبداً إنشاء مدرسة في
بيروت تتيح تعليم الكوردية لأبنائهم.
رووداو: هل هناك شروط أو معوقات
معينة؟
غسان سلامة: لا توجد معوقات؛ لأن
نظام التعليم في لبنان — على عكس دول أخرى كسوريا — هو نظام أغلبيته الساحقة قطاع
خاص، وتتمتع المدارس فيه بحرية واستقلالية واسعة في تحديد اللغات التي تدرسها.
رووداو: تقصد في المدارس الخاصة
وليس الحكومية؟
غسان سلامة: بالطبع؛ لأن غالبية
المدارس والجامعات في لبنان تابعة للقطاع الخاص (لدينا مثلاً 52 جامعة؛ واحدة
رسمية و51 جامعة خاصة).
رووداو: حسب تقديراتكم، كم يبلغ
عدد الكورد في لبنان؟
غسان سلامة: ليست لدي أرقام
دقيقة؛ لعدم إجراء أي إحصاء سكاني رسمي في لبنان منذ عام 1932. وكل الأرقام
المتداولة منذ ذلك الوقت مجرد تقديرات قد تصيب وقد تكون خيالية؛ فكل فئة في لبنان
تميل إلى تضخيم أعدادها، ولو جمعنا تقديرات كل طائفة وفئة عن نفسها لكان المجموع
ضعفي أو ثلاثة أضعاف عدد سكان لبنان الفعلي.
رووداو: هل لديكم خطة في وزارة
الثقافة لحماية التراث والآثار الكوردية في لبنان؟
غسان سلامة: سياستنا قائمة على
حماية التراث الإنساني بأسره دون تمييز؛ إن وجد مبنى أثري كوردي فسنحميه كما نحمي
الآثار العثمانية أو المملوكية أو غيرها، وتلك مسؤولية الدولة. لكن ما يشغل بالنا وأولوياتنا حالياً بالدرجة الأولى هو الوضع المأساوي
في جنوب لبنان؛ حيث يتعرض لتجريف وتدمير هائلين. وقد استطعنا قبل نحو شهرين تسجيل
قلاع جبل عامل الخمس في الجنوب على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، وهو
إنجاز مهم في ظل هذه الظروف الصعبة.
رووداو: بالحديث عن جنوب لبنان؛
هل تعتقد أن إسرائيل ستنسحب من لبنان؟ وهل سيسلّم حزب الله سلاحه؟
غسان سلامة: ليس لدي مؤشرات
إيجابية حالياً لا حول الانسحاب الإسرائيلي ولا حول تسليم السلاح. نحن نطالب
بانسحاب إسرائيلي كامل وفوري؛ إذ تحتل إسرائيل اليوم نحو 7% من الأراضي وتعمل على
تجريفها وتدميرها. وفي الوقت ذاته، نأمل أن يتخذ حزب الله قراراً بتسليم سلاحه وأن
تُحترم حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، لكن للأسف لا أرى مؤشرات ملموسة وراهنة
على تقدم إيجابي في هذين المسارين.
رووداو: يقر الدستور العراقي
النظام الفيدرالي؛ كيف ترى الوضع الحالي في العراق، وهل ساهمت الفيدرالية في تثبيت
الاستقرار؟
غسان سلامة: هذا سؤال محرج لموقعي
كوزير في الحكومة اللبنانية؛ لأن أي إجابة تفصيلية قد تُفسر كتدخل في الشأن
الداخلي العراقي، وهو ما يتعارض مع البروتوكولات الدبلوماسية. لكن ما أؤكد عليه هو أن أنظمة الحكم لا تُستنسخ؛ فنظام الحكم يجب أن
ينبع من الخصوصية الذاتية للمجتمع وتاريخه. العراق يمتلك تعددية حقيقية كما هو
الحال في لبنان، وإدارة التعددية اليوم هي التحدي الأكبر للدول؛ فمعظم المجتمعات
باتت مركبة وتحوي أقليات تفوق نسبتها 15 أو 20%. لا يوجد نموذج واحد يصلح للجميع؛
فبعض الدول تناسبها اللامركزية، وأخرى تناسبها الفيدرالية، وبعضها يحتاج لسلطة
مركزية قوية.
رووداو: هل النموذج الفيدرالي
صالح للعراق برأيك؟
غسان سلامة: إذا كان هذا ما يريده
العراقيون، فأنا أؤيد ما يرتضونه لأنفسهم، ولا يمكنني الخوض بأكثر من ذلك.
رووداو: ماذا عن سوريا؟ هناك
دعوات للفيدرالية في ظل التعددية القائمة (علويون، دروز، وكورد)؛ أي النماذج تفضل
لسوريا؟
غسان سلامة: إدارة التعددية في
سوريا ستكون مختلفة حتماً، ولا يوجد نموذج حكم قياسي عابر للدول. قد أؤيد
الفيدرالية في العراق ولا أؤيدها في مصر أو الجزائر؛ ففرنسا مثلاً دولة مركزية،
بينما جارتها ألمانيا دولة فيدرالية، والسبب يعود للاختلاف في مسار التطور
التاريخي لكلا البلدين.
رووداو: لكن بالنظر لواقع
المكونات السورية الراهن، ما هو النموذج الأنسب وفق تقديرك؟
غسان سلامة: إجابتي كوزير قد تحسب
كموقف رسمي تجاه دولة مجاورة؛ لو كنت أستاذاً جامعياً لأجبتكِ بكل تفصيل. ولكن ما
أشدد عليه هو مبدأ "السيادة الوستفالية" المنبثق عن صلح وستفاليا عام
1648، والذي كرّس حق كل شعب في تقرير واختيار شكل نظامه السياسي دون فرض من الخارج.
رووداو: بخصوص تقليص تدريس اللغة
الكوردية في المدارس السورية إلى ثلاث حصص أسبوعياً بعد أن كانت منهاجاً كاملاً
لأكثر من 10 سنوات؛ هل تجد ذلك منصفاً؟
غسان سلامة: سوريا الجديدة مازالت
في مرحلة البحث عن صيغتها ومرتكزاتها لإدارة التنوع، وقد تصيب في قرارات وتخفق في
أخرى. ما نأمله هو أن تصل إلى صيغة تحقق الاستقرار؛ لأن استقرار سوريا ينعكس
مباشرة على استقرار لبنان وسلامته، ونحن لا نريد لسوريا أن تتشظى أو تتبعثر.
رووداو: هل أنت متفائل بمستقبل
الأوضاع؟
غسان سلامة: أنا لا أطرح على نفسي
سؤال التفاؤل والتشاؤم إطلاقاً؛ أنا أعمل وأؤدي واجبي، ولا أنشغل بالتكهن بحظوظ
النجاح أو الفشل.
رووداو: كيف تقيّم واقع حرية
التعبير اليوم في المنطقة عموماً، وفي إقليم كوردستان والعراق وسوريا ولبنان
خصوصاً؟
غسان سلامة: واقع حرية التعبير
اليوم أفضل بكثير مقارنة بما كان عليه في أيام شبابي. عندما كنت مؤلفاً شاباً، كنت
أكتب الكتاب وأخشى منعه في غالبية الدول العربية، وفي الواقع كانت كتبي تُمنع
وتصادر بالفعل. لكن هذا التحسن لا يعود إلى تغير في عقلية
الحكام وسلوكهم، بل الفضل يعود إلى ثورة الاتصالات والإنترنت. فالرقيب الذي كان
يمنع دخول كتاب ورقي، عاجز اليوم عن منع نسخته الرقمية (PDF) المنتشرة
عبر الشبكة خلال ساعات. ثورة الاتصالات أسقطت مقص الرقيب، وأظهرت عجز الحكومات عن
لجم تدفق المعلومات كما كانت تفعل سابقاً، وهذا العجز التقني هو ما يحد من قدرتها
على قمع الحريات وحرية التعبير تحديداً.