رووداو ديجيتال
قبل أن تدخل صناديق الاقتراع في لحظة الحسم هناك ساعات أخيرة من الصمت، يتراجع فيها خطاب المنابر، ويعلو فيها صوت الداخل.الصمت الانتخابي ليس مجرد توقف عن الكلام، إنه انتقال من إقناع الآخر إلى مراجعة الذات. وفي هذا الانتقال، تتكشّف خيوط المزاج العام، وتتضح الفوارق في الإحساس بين مدينة وأخرى داخل البلد الواحد.
غداً يبدأ الصمت الانتخابي في العراق، وتبدأ معه هذه الطبقة الخفية من القراءة الهادئة للمشهد. اليوم، بغداد وكوردستان يعيشان المناسبة نفسها… لكنّ المشهد ليس واحداً.
تنوع المزاج واضح… رغم وحدة الحدث
ففي بغداد، تسود نبرة مختلفة، كثير من الناس يتحدثون عن تحفظ وحذر أكثر من حماس، يقول بعض المواطنين في الانتخابات السابقة لم تنعكس الحماسة العالية لاحقاً على التغيير الفعلي، ولذلك باتت الرغبة بالمشاركة "خافتة" أكثر في هذه الدورة. البعض تحدّث "لرووداو" عن سنوات طويلة لم يشعروا فيها بتحسن حقيقي في واقعهم اليومي، ولا في خدمات المكان الذي يعيشون فيه. وبعض النساء من بغداد أشرن إلى أنهن شاركن سابقاً في أول انتخابات فقط، ثم تراجع الحماس تدريجياً مع الوقت. وفي بعض الحوارات التي سُجّلت اليوم، قال مواطنون إن الأجواء في المراكز التي يعرفونها كانت في الدورات السابقة هادئة جداً، وإن عدد المشاركين في تلك الأيام كان محدوداً بشكل ملفت إن لم يكن معدوما. واليوم يبدو أن سكّان العاصمة يشتكون من هذا الصخب الذي ملأ مدينتهم دون أن يكون لهم مزاج في الاندماج فيه.
في إقليم كوردستان، يبدو المزاج مختلفاً
هنا يضع كثير من الناس الملف الاقتصادي في مركز اهتمامهم وتحديداً مسألة الرواتب والتحويلات المالية التي غالبا ما يتأخر وصولها من بغداد. يقول مواطنون إنّ الأمل "أكبر" في أن يؤدّي هذا الاستحقاق الانتخابي إلى انفراج في الملف المعيشي، وتحسين الوضع الاقتصادي للأسر. هناك من يعلّق آماله على أن تكون الخطوة القادمة خطوة معالجة. وفي الشارع اليوم هناك ملامح واضحة للاحتفال، وألوان وصور، وجو يشبه "عرساً انتخابياً" مبكراً. الشباب يلتقطون صوراً في الشوارع والساحات، والمشهد يحمل إشارات على أن الناس هنا أكثر تفاعلاً، وأكثر استعداداً للاشتراك في الحدث العام، وإن كان هذا الاشتراك مرتبطاً أساساً بالملف المعيشي وليس بالجدل السياسي المباشر.
يقول مواطنون في بغداد الناس يبدون "عازفين أو غير مستعجلين على التوجّه إلى صناديق الاقتراع، بينما في كوردستان يبدو الحماس أوضح، وكأن الطاقة الاجتماعية هنا ترتبط بفكرة: ربما تكون هذه الدورة بوابة لتحسن اقتصادي أو انتظام مالي.
توزع الرؤية داخل بلد واحد. ليس تناقضاً… بل تنوع مشهد
الصحافة اليوم - خصوصاً الديجيتال - تقف أمام سؤال مختلف: هل نقيس الحجم العددي؟ أم نقيس نوع الإحساس؟ في اللحظة التي يهدأ فيها صوت الدعاية، يمكن أن نسمع نبرة الناس بوضوح أكبر - هذه النبرة ليست مادة سياسية، بل مادة إنسانية. فهي تتحدث عن الشعور أكثر من القرار، وعن القرب من التجربة أكثر من القرب من الشعارات.
الصمت الانتخابي إذا نظرنا له من هذه الزاوية فهو مختبر صغير للمزيج النفسي داخل المجتمع. إنه اختبار لسؤال: ماذا يبقى في داخلك عندما تتوقف الأصوات من حولك؟
غداً… حين يدخل العراق لحظة الصمت، سيتسع المجال لسماع هذا الصوت الداخلي. وسيبقى التنوع بين بغداد وكوردستان واحداً من العلامات الواضحة على أنّ البلد الواحد يمكن أن يحمل مزاجين مختلفين في اللحظة الواحدة، تَحَفّظٌ هنا… وحماسٌ هناك، ومع ذلك، تبقى هذه الساعات التي تفصل بين اليوم والغد ساعات هادئة لكنها ستمهّد لصوت أكبر، عندما تفتح الصناديق، وتتحوّل الانطباعات إلى واقع ملموس على الورق.
هذه ليست مجرد مرحلة صمت…
هذه لحظة يصمت فيها الخارج كي نتكلم نحن مع أنفسنا.



