رووداو ديجيتال
يشهد العراق اليوم توازناً دقيقاً بين التزاماته المالية الدولية والضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة من جهة، وبين حساسيات الداخل السياسي والعلاقات الإقليمية من جهة أخرى.
وقد شكل قرار لجنة تجميد أموال الإرهابيين، الذي أدرج حزب الله اللبناني والحوثيين ثم سُحب لاحقاً، بعد نشره في جريدة الوقائع العراقية الرسمية، نموذجاً صارخاً لهذه المعادلة المعقدة، التي تضع الحكومة العراقية أمام مساحة ضيقة للحركة.
الالتزامات الدولية… وضيق هامش المناورة
العراق مقيد بثلاثة مسارات، أولها رقابة مجموعة العمل المالي (FATF) لتجنب العودة إلى القائمة الرمادية، والتزامات ثنائية مع دول مثل ماليزيا بشأن متابعة الأفراد المرتبطين بداعش والقاعدة، والمسار الثالث الضغوط الأميركية المباشرة على النظام المالي العراقي.
الولايات المتحدة بدورها تستخدم أدوات مالية تتضمن الرقابة على تحويلات الدولار من الاحتياطي الفيدرالي، الامتثال البنكي (Compliance) الذي يجعل أي إشارة سلبية قادرة على شل القطاع المصرفي خلال أيام.
واشنطن ترى أن العراق قد يكون ممراً مالياً لإيران وحزب الله والحوثيين.
التلويح الأميركي… النظام المالي تحت المجهر
التحذيرات الأميركية ازدادت خلال السنوات الأخيرة، خاصة بشأن التحويلات إلى إيران ولبنان واليمن وسوريا، واتهام بعض المصارف العراقية بتسهيل تمويل جهات مدرجة على لوائح الإرهاب الأميركية. وقد لوّحت واشنطن بتقييد التحويلات وفرض عقوبات على مصارف عراقية، بل وحتى حجب الدولار كلياً. في هذا السياق، كان إدراج حزب الله والحوثيين "لو بقي" سيُقرأ في واشنطن كخطوة نحو الامتثال الأميركي، لكن التراجع السريع حمل رسالة مختلفة.
ارتباك مؤسسي أم ضغوط سياسية؟
لجنة تجميد الأموال هيئة تكنوقراط بالأساس، تضم جهات رقابية وأمنية ويرأسها محافظ البنك المركزي. قرار إدراج الحزبين قد يكون خطأ مؤسسياً ناتجاً عن اعتماد قائمة دولية دون مراعاة السياق السياسي الداخلي، أو استجابة غير معلنة لضغط خارجي يريد من العراق تشديد الامتثال، قبل أن تتدخل الدوائر السياسية لإيقاف التداعيات.
الكاتب المختص بالشأن السياسي مجاشع التميمي يرى أن " التراجع السريع لا يمكن قراءته إلا بوصفه انعكاساً لارتباك مؤسسي ناجم عن غياب التنسيق داخل الجهة المعنية بإدارة الملف المالي، مقابل حساسية التعامل مع تعليمات وزارة الخزانة الأميركية واشتراطات الفيدرالي الأميركي. وقد واجهت الحكومة إحراجاً مضاعفاً بعد إدراج كل من حزب الله والحوثيين في القائمة، لكون الجهتين ترتبطان بعلاقات سياسية أو اجتماعية مع شخصيات ومؤسسات وفصائل داخل العراق، ما جعل التراجع عن النشر ضرورياً لاحتواء التداعيات".
ويضيف التميمي مجاشع أن "هذا الإرباك يتقاطع مع حقيقة أن النظام المالي العراقي بات تحت المجهر الأميركي، خصوصاً بعد تجديد العقوبات على ٣٣ مصرفاً ومؤسسات حكومية كما تم توجيه الانذار الى مؤسسات مالية حكومية من بينها مصرف الرافدين والسعي إلى إعادة هيكلته بسبب تحويلات مشبوهة، كما تم هيكلة شركة فلاي بغداد بسبب علاقاتها مع جهات قريبة من طهران، إضافة إلى العقوبات التي طالت شخصيات بارزة مثل رئيس اللجنة الأولمبية العراقية أما حادثة النشر ثم السحب فهي مؤشر على أن العلاقة المقبلة بين بغداد وواشنطن ستكون أكثر حساسية وانضباطاً، مع تقليص مساحة الاجتهاد الفردي وارتفاع مستوى الرقابة الأميركية على التحويلات والدولار، في سياق محاولات واشنطن دفع العراق نحو بيئة مالية أكثر صرامة واصطفاف إقليمي أقل التباساً".
البعد القانوني
الجانب القانوني يكتمل مع رأي الخبير القانوني علي التميمي الذي قال إن"جريدة الوقائع العراقية تعمل وفق قانون النشر رقم 78 لسنة 77 المعدل عام 2007، والمادة الثامنة من هذا القانون تتيح التصحيح إذا كانت هناك أخطاء طباعية أو سهو أو نصوص خاطئة، ويحق للجهة التي أصدرت القرار إرسال تصحيح إلى وزارة العدل - دائرة الوقائع - لنشره من جديد.
ويضيف علي التميمي أن "رئيس الوزراء أحسن بفتح تحقيق لمعرفة ما إذا كان هناك تزوير أو تلاعب أو خلل في التصويت داخل لجنة تجميد الأموال التي تضم أكثر من تسع جهات ويرأسها محافظ البنك المركزي ويطرح تساؤلات عما حدث "هل صوّتت اللجنة فعلاً؟ هل تم التلاعب بالقرار؟ هل وقع الخطأ أثناء الإرسال؟" مردفا "التحقيق الشفاف والسريع ضروري لكشف الحقيقة للرأي العام".
أما بشأن الأساس التشريعي لعمل اللجنة فقال: "اللجنة تستند إلى قانون مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 39 لعام 2015، والنظام رقم 6 لعام 2023 الخاص بتجميد الأموال، وهي مرتبطة بقرارات مجلس الأمن وتحولها إلى الداخل العراقي لمنع التعامل مع الجهات الإرهابية المصنفة دولياً، لهذا السبب ننتظر ما ستخلص إليه اللجنة باعتبارها صاحبة القول الفصل".
ما الذي تريده واشنطن من العراق الآن؟
يمكن تلخيص الرغبة الأميركية في: ضبط شامل لحركة الدولار ومنع التحويلات إلى جهات مدرجة، تعزيز استقلال البنك المركزي وتقليل تدخل الأحزاب، تقليص نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، ضمان أمن الوجود العسكري الأميركي، وليس أخيراً دفع العراق نحو اصطفاف إقليمي أقل اقتراباً من محور طهران.
العراق يحاول إرضاء واشنطن دون خسارة الداخل، وعلى ما يبدو فإن القرار كان مالياً بحتاً وصدر بروح الامتثال للمعايير الدولية، غير أن التراجع وسحب القرار كان سياساً بحتاً لحماية التوازنات الداخلية.
وحادثة النشر ثم السحب، تكشف أن العلاقة بين بغداد وواشنطن تدخل مرحلة أكثر حساسية، وأن هامش الاجتهاد بات ضيقاً، وأن النظام المالي العراقي سيظل تحت رقابة مشددة لفترة طويلة.



