رووداو ديجيتال
بعد زيارة خاطفة إلى بغداد، فجر المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك سلسلة تصريحات غير مسبوقة، قدم فيها قراءة صادمة لمآلات السياسة الأميركية في العراق، ووصف الدولة بأنها تعيش "حالة فوضى تتصارع عليها القوى الإقليمية"، وفي مقدمتها إيران التي تخوض ، بحسب تعبيره، قتالها الأخير على آخر معاقل نفوذها.
تصريحات باراك فتحت الباب أمام أسئلة أعمق حول اتجاهات واشنطن الجديدة، وما إذا كان العراق مقبلاً على مرحلة مختلفة في طريقة تعامل الولايات المتحدة معه.
باراك، وفي مقابلة متلفزة مع صحيفة (The National NEWS ) التي تبث من أبو ظبي ، قدم نقداً لاذعاً للتدخل الأميركي في العراق، قائلاً إن الولايات المتحدة "أنفقت ثلاثة تريليونات دولار، وفقدت مئات آلاف الأرواح بين جنودها ، ثم انسحبت دون مكاسب حقيقية".
باراك يرى أن ما تركته واشنطن بعد 2003 لم يكن دولة مستقرة، بل فراغاً سياسياً وأمنياً تمددت إيران داخله عبر فصائل مسلحة باتت تملك نفوذاً واسعاً في البرلمان والائتلافات الحاكمة.
وفق باراك، فإن الولايات المتحدة دفعت باتجاه نموذج فيدرالي يقوم على حكومة اتحادية مركزية في بغداد، مكون كوردي شبه مستقل في الإقليم "حيث النفط"، لكن هذه الصيغة تحوّلت في نظره إلى "فدرلة ممزقة" شبيهة بتجربة يوغسلافيا السابقة، لأنها فتحت الباب لتقسيمات سياسية وأمنية أوسع.
جزء جوهري من حديث باراك ركز على اشتداد المنافسة الإيرانية، مؤكداً أن "القتال الإيراني على العراق شديد، وأن طهران تنظر إليه كآخر مساحة نفوذ رئيسية" ويرى أن هذا النفوذ لا يقوم فقط على المستوى الأمني، بل من خلال فصائل تمتلك تمثيلاً سياسياً مؤثراً داخل البرلمان.
في تقييمه لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وصف باراك رئيس الوزراء بأنه"شخص جيد"، لكنه يفتقر إلى القوة السياسية اللازمة بسبب تركيبة البرلمان وتحكم أطراف مرتبطة بالحشد الشعبي في مسارات تشكيل الائتلافات.
باراك أوضح أن واشنطن لن ترسل قوات برية جديدة، ولن تدخل في التزامات مالية ضخمة، وستكتفي بوجود دبلوماسي كبير في بغداد وقنصلية كبيرة في أربيل، مع تركيز على" مكافحة الإرهاب مهمة رئيسية".
كشف باراك أن الإدارة الأميركية منفتحة على حوار جدي مع طهران حول النووي وتمويل الفصائل، لكنه حذر من "حوار شكلي" يمنح إيران الوقت لإطالة الحروب بالوكالة.
تصريحات باراك أثارت ردود فعل عراقية اعتبرتها اعترافاً متأخراً بحجم الأضرار التي تعرّض لها العراق نتيجة السياسات الأميركية منذ 2003. وأكد حزب المشروع الوطني العراقي بزعامة جمال الضاري "أن الفوضى، وانهيار مؤسسات الدولة، وتصاعد الطائفية والإرهاب، وتمدد النفوذ الإيراني، كانت نتائج مباشرة لخيارات الاحتلال والفراغين السياسي والأمني اللذين خلّفتهما واشنطن".
وشدد المشروع الوطني على أن الاعتراف الأميركي لا يعفي واشنطن من مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، وعلى الولايات المتحدة دعم استعادة سيادة الدولة وإعادة بناء المؤسسات، والمساهمة في إنهاء النظام القائم على المحاصصة الطائفية والعرقية، ومنع أي نفوذ خارجي، إيرانياً كان أو غيره.
ورأى أن استقرار العراق يتطلب اعترافاً أميركياً كاملاً بالمسؤولية التاريخية، والعمل الجاد على تصحيح المسار الخاطئ، وتمكين العراقيين من بناء نظام وطني يُعلي المواطنة فوق الانقسامات.
بين واشنطن التي تراجع دورها السياسي، وطهران التي تقاتل للحفاظ على نفوذها، والدولة العراقية التي تفتقر إلى رؤية موحدة، يبقى سؤال السيادة وإعادة بناء الدولة مفتوحاً على احتمالات عديدة.



