في لقاء له مع قناة روسيا اليوم يقول السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري : " على الكرد أن يأخذوا العبر من تاريخ مراهناتهم الخاسرة على الخارج منذ مئة عام .." ، حديث السيد المعلم كان حول الحوار الذي جرى مؤخراً بين حزب الإتحاد الديمقراطي ( pyd) ونظام الأسد في دمشق ، واستطرد قائلا : " على الكرد المراهنة على الداخل والوطن .." !!! .
حقيقة، هذا القول فيه تجني كبير على دور الكرد وتاريخهم المشرف في بناء الدول التي ينتمون إليها ، ودعوة في الوقت ذاته ،إلى القبول بعقلية الاستبداد والقمع والدكتاتورية وكل ما نتج عنها من ممارسات وسياسات عنصرية إقصائية بحق هذا الشعب على مدى عقود من الزمن .
عندما نتجاوز الموقف السياسي لحركة أو حزب كردي ، ونسقط الحالة على شعب بأكمله ، لابد من القول : أن تاريخ الكرد و في جميع الدول التي قسمت أرضهم التاريخية بموجب اتفاقية سايكس - بيكو ( سوريا - العراق - تركيا - إيران ) اتسمت بالتضحيات الجسام في الدفاع عن حدود دولهم واستقلالها ، إلى جانب الاعتزاز في التمسك بالهوية الوطنية على قدر تمسكهم بهويتهم القومية ، ولم تكن المراهنة على الخارج قط خيارهم الأول ولا حتى الأخير ، وجميع محاولات اللجوء إلى الخارج لم تكن إلا طلباً للحماية بعد تخاذل الحكام والأنظمة التي كانت ومازالت تحكم هذه الدول بعقلية عنصرية شوفينية حاقدة ، كانت نظرتهم للمكونات الأخرى التي لا ينتمون إليها لم تتعدى نظرة السيد إلى عبيده ، وتعامل معهم معاملة اللاجىء الغريب الذي لا يستحق العيش والمطالبة بحقوقه في محميات سلطوية سميت زوراً " الوطن " ، أنظمة لم تعترف يوماً بحق الشعوب الأخرى في الحرية والتعبير عن شخصيته وثقافته ضمن حدود دولة تأسست وتطورت من تمازج الثقافات والحضارات لمختلف مكوناته العرقية والدينية والمذهبية ، ولم يكن هذا التخاذل حيال الكرد والأقليات المضطهدة الأخرى في هذه البلدان وحده سبباً في زعزعة الثقة مع الأنظمة وأسلوب إدارتها للبلاد ، بل مورس بحقهم افضع الجرائم والممارسات الوحشية ارتقت في الكثير منها إلى مستوى الإبادة الجماعية ، كالتي حصلت في العراق ، تركيا وإيران، وفي سوريا حيث كان الحرمان والتهميش والمعتقلات والممارسات الكيدية والاستبدادية الظالمة بحق المواطنين الكرد عنوان لسياسات الأنظمة المتعاقبة على الحكم منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا ، فلم يتخلى الكرد يوماً عن هويتهم الوطنية بقدر تبرأ وطن الحكام منهم .
لم ولن يراهن الشعب الكردي على الحلول الخارجية وهو يعيش على أرضه التاريخية ، ويتمسك بثقافة التعايش السلمي والحضاري مع بقية الشعوب في الوطن الواحد ، على الرغم من كل السياسات والممارسات الاستبدادية لأنظمة ظالمة طاغية رهنت نفسها لثقافة الإقصاء والتمييز وحصروا كل الوطن والوطنية بمفاهيمهم وحاشيتهم .
سيادة وزير " الوطن " ، لعلك تدرك أن الخارج الذي تقصده - أمريكا ، لم يكن في الشمال السوري حيث يسكن الكرد ،عندما أقدم " الوطن " على تجريد آلاف من مواطنيه من أملاكهم وجنسيتهم بموجب قرار تعسفي صدر من الحزب الذي تنتمي إليه حالياً - البعث في بداية الستينيات من القرن الماضي واطلق عليهم تسمية " أجانب محافظة الحسكة " أو " مكتومي القيد " بعد أن سلب أملاكهم تحت مسمى مشروع " الحزام العربي " ، و لم يكن هذا الخارج وغيره ينشرون قواتهم العسكرية ويبنون القواعد والمطارات على أرض الوطن ، عندما منع مواطنيه من ممارسة شعائرهم وطقوسهم الثقافية والقومية وفرضت قيود صارمة على لغة ابنائه ، ولم يغتصب الجولان ولواء اسكندرون ، عندما وجه الوطن الذي تعنيه رصاصه الحي إلى صدور أبنائه العزل في مدينة القامشلي وزج بهم في المعتقلات والزنازين حتى فقد البعض حياته تحت التعذيب . لم يرهن الكرد وطنهم لإيران وروسيا وميليشيات حزب الله والغرباء ، عندما أقدم " الوطن " على قتل وتهجير أبنائه بالآلاف ودمر مدنهم وقراهم وشردهم في اصقاع الدنيا الواسعة وفي بطون المحيطات لمجرد مطالبتهم بالحرية والكرامة ، نعم الشعب الكردي رهن نفسه وتاريخه وحضارته خدمة لقيم الإنسانية ومفاهيم الوطنية الفعلية والتسامح والعيش المشترك مع أقرانه المضلومين من المكونات الأخرى ولم يراهن على هذه القيم مع الخارج كحكامه .
على الرغم من كل ذلك ، مازال الكردي ينشد الحرية والعدالة والمساواة من وطن اسمه سوريا يحتضن أبنائه ويعترف بخصوصية جميع شعوبه ومكوناته ، وليس وطن اسمه" سورية الأسد " ، ولا يساوره الشكوك في أن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وإشاعة الحريات العامة لابد أن يكون عنوان الوطن الذي يعرفه الشعوب لا وطن يصنعه الطغاة والدكتاتوريين .
نعم سيادة وزير وطن " سورية الأسد " ، الشعوب الحية ليست بحاجة لأخذ العبر والمراهنة على الخارج ، وإنما بحاجة إلى أن يأخذ حكامه العبرة من ماضي الطغاة والمستبدين ومصائرهم ، وأين اوصلتهم جبروتهم واسترخاصهم لدماء شعوبهم .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



