لا مبالغة في قول : أن الأزمة السورية وبعد إنجاز معظم الاتفاقيات والتفاهمات الإقليمية والدولية الخاصة بخفض التصعيد والتوتر في عدة مناطق والتي كانت آخرها في إدلب قد طوت صفحة سوداء مقيتة دامية من عمرها ، وبدأت فعلياً الدخول في مرحلة جديدة عنوانها " لابد من صوتٌ يعلو فوق صوت البندقية " ، فلم يبقى أمام أطراف النزاع الداخليين وداعميهم الخارجيين سوى الشروع في عملية سياسية متكاملة انطلاقا من بيان جنيف ١ وقرار مجلس الأمن ٢٢٥٤ وبيان رياض ٢ .
أمريكا التي كانت شبه غائبة فعلياً طوال السنوات السبع الماضية من عمر الأزمة السورية ، باتت اليوم أكثر حضوراً وجدية في التعاطي مع هذا الملف ، وبدأت تصريحات سياسيها الجدد المكلفين بادارة المنطقة تتركز حول ضرورة المضي سريعاً في صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات عامة في سوريا ، والتي تعتبرها الإدارة الأمريكية الجديدة مدخلا رئيسيا للعملية السياسية وليست كل التسوية للعملية . بغض النظر عن موعد بدء اللجنة الدستورية عملها ، والتي إن بدأت ، ستكون شاقة وطويلة وتواجه الكثير من الإشكاليات وردات الفعل من الأطراف المشاركة كافة ، نظراً لحجم المسائل و القضايا الخلافية التي يُنظر اليها كل طرف من زواية وقوفه وتخندقه ، إلى جانب حجم التدخلات الخارجية في مسار العملية السياسية ، ومحاولة كل طرف الخروج كالمنتصر الوحيد بعد الأزمة ، فإن أبرز هذه المواضيع وأكثرها إثارة و استهلاكاً للوقت والنقاشات ستكون مسألة هوية الدولة السورية ، وشكل نظام الحكم وآلية اتخاذ القرارات ، واسم الدولة إضافة إلى المسألة الأكثر حساسية وتعقيداً وهي حقوق الأقليات والشعوب الأخرى غير العربية في سوريا ، وتكمن الصعوبة والتعقيد والحساسية في مدى تفهم وقبول كلا الطرفين النظام و المعارضة لحل هذه القضية وما يترتب عليها من استحقاقات .
كانت القضية الكردية في سوريا تشكل العنوان الأبرز والمدخل الرئيس لحل مجمل القضايا الوطنية المتراكمة فيما لو توفرت الارادة الوطنية الصادقة والمسؤولة الجادة قبل إندلاع الثورة عام ٢٠١١ من قبل سلطة البعث ، إلا أنها اصبحت اليوم وبحكم المتغيرات الجمّة التي طرأت على المشهد السياسي السوري موضع جذب واهتمام إقليمي ودولي ، وصار حقوق الشعب الكردي وقضيته حجر اساس للانطلاق نحو بناء أي تصوّر حول كيفية طرح وتثبيت ومن ثم حماية حقوق الشعوب والأقليات الأخرى في سوريا ، ومن هنا قد تبدو مهمة ممثلي الشعب الكردي في لجنة صياغة الدستور الجديد صعبة ومعقدة محفوفة بالكثير من ردات الفعل السلبية قد تصدر من المعارضة قبل النظام بالرغم من رسائل اطمئنان الامريكية والروسية والاوروبية وأخرى عربية حول ضرورة أن يكون حقوق جميع المكونات السورية مصانة في الدستور الجديد للبلاد ، ولكن كيف ؟ ، وبأي صيغة ؟ هذا ما سيتضح لاحقاً بعد الانتهاء من صياغة هذا الدستور .
ما هو مؤكد حتى الآن ، حضور ممثلين عن الكرد من خلال المجلس الوطني الكردي في قائمة المعارضة الخاصة بلجنة صياغة الدستور ، ولم يعرف بعد حقيقة تمثيل الكرد في قائمتي النظام والسيد ديميستورا ، ولكن في المجمل ، الكرد باتوا أمام تحدي واستحقاق مهم ومفصلي ، يلخص جميع مراحل نضالاتهم السابقة في سوريا منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا ، وهي المحطة التي طالما انتظروها منذ عشرات السنين ، ودفعوا في سبيلها الكثير من التضحيات والمضايقات والممارسات الاستبدادية والمحاكم العرفية لمناضليها ....
لا يخفي أن الأولوية بالنسبة للكرد سوف لن تكون ذاتها عند المعارضة والنظام أثناء كتابة الدستور ، فما تطالب به قوى المعارضة وعلى اختلاف مناصاتها قد تبدوا هامشية إلى حد ما أمام الهدف الذي وجد المجلس الوطني الكردي نفسه من أجله في صفوف هذه المعارضات ، ومحطة كتابة الدستور ستضع جميع الحلفاء أمام اختبار حقيقي في تنفيذ التفاهمات والوثائق السابقة التي وقعوا عليها في بداية الأزمة السورية ، فالمجلس الوطني الكردي الذي سيكون حاضراً بممثلين في هذه اللجنة سبق وأن وقعَّ وثيقة مشتركة مع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة تركزت معظم بنودها حول حل القضية الكردية والاعتراف بحقوق الشعب الكردي دستورياً ، وإقامة دولة سورية تعددية ديمقراطية فيدرالية ، كما أن بيان رياض ٢ الذي صدر عن مجموع منصات للمعارضة السورية باسم هيئة التفاوض السورية لم يخلو من الإشارة إلى الاعتراف بالخصوصية الكردية والتأكيد على حل عادل لقضية الشعب الكردي وفق الأسس الوطنية .
تشعبات الأزمة السورية ومرورها بالكثير من الإرهاصات والتجاذبات في الفترة السابقة ، عرقلت الكثير من المراجعات النقدية والتقيمية للاتفاق السابق بين المجلس الوطني الكردي والائتلاف السوري المعارض . أولويات أو خطوات سياسية كانت يمكن الوقوف عليها ، أو تناولها باسهاب أكثر لو تم تنشيط المسار الخاص بالعلاقة مع الشركاء في المعارضة ومنها :
أولا : استمزاج الرأي والموقف النهائي للمعارضة قبل الدخول في مشاورات فعلية حول كتابة الدستور مع النظام عبر إجراء سلسلة من اللقاءات والحوارات مع الشركاء في المعارضة ، وفي مقدمتهم الائتلاف الوطني السوري وبقية الكيانات السياسية في هيئة التفاوض السورية ، وتكمن أهمية هذه اللقاءات أن تمت في حينها وما تزال الفرصة متاحة ، أنها ستمنح المجلس مزيداً من الهامش في إتخاذ القرارات والإجراءات التي من شأنها تعزيز موقفه السياسي والتفاوضي حيال قضاياه الرئيسية ، خاصة وأن الموقف الأمريكي والمجموعة (5+2) يتركز على المشاركة الفعالة لجميع المكونات السورية في صياغة الدستور الجديد بمعزل عن التطورات العسكرية و الميدانية على الأرض .
ثانياً : باعتبار القضية الكردية هي قضية وطنية سورية ، و يلزم حلها ديمقراطية توافقية لا عددية من خلال التزام الشركاء أخلاقيا وقانونيا بتعهداتهم السابقة ، وكون هذا الحل سيكون المفتاح الأساس للاعتراف بحقوق بقية الأقليات الأخرى ، فليس من الخطأ ، لو تم الانفتاح والحوار مع بقية الكيانات السياسية والمنظمات والهيئات الممثلة للأقليات داخل وخارج اطار هيئة التفاوض السورية والنظام بهدف بناء الثقة والتأسيس لخطاب أو رؤية سياسية معبرة عن مطالب جميع الأقليات والجماعات المضطهدة في سوريا .
ثالثاً : بحكم المتغيرات ، وتبدل لمواقف الكثير من الدول الفاعلة في الأزمة السورية وخاصة أمريكا وروسيا بخصوص دعمهما لحقوق الأقليات وحقوق الشعب الكردي في سوريا المستقبل ، فإنه من الحكمة والعقلانية تبيان حقيقة الموقف السياسي الكردي من العملية السياسية بتفاصيلها ، أو التهيأ لها مالم يتم الأخذ بعين الاعتبار المطالب الكردية وقضيتهم اثناء وبعد صياغة دستور جديد للبلاد وما تليها من استحقاقات سياسية واقتصادية وإدارية وإعادة الإعمار .
خلاصة الحديث ، تمر الحركة السياسية الكردية في سوريا بأدق وأخطر مراحلها ، حيث كل الظروف الذاتية والموضوعية باتت متوفرة وملائمة تحقيقاً لاهدافها المنشودة في حل قضية شعبه حلا عادلا يلبي طموحاته في الحرية والعدالة والمساواة والاعتراف بهويته القومية دستورياً ، والمجلس الوطني الكردي عبر ممثليه في لجنة صياغة الدستور والهيئة العليا للمفاوضات أصبح تمثيله للكرد حقيقة في المحافل الدولية الخاصة بحل الأزمة السورية ، ولم تعد محاولات التأويل أو التسويف لهذه الحقيقة تجدي نفعاً لطالما جميع المعنيين خلصوا إلى وجوب بدء مرحلة التسوية النهائية للازمة قبل انتهاء عام ٢٠١٨ .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



